نبض مهاجر: هكذا حَدَّثْتُ أحفادي من العلوّ الشاهق بقلم : سليم مصطفى بودبوس

نبض مهاجر: هكذا حَدَّثْتُ أحفادي من العلوّ الشاهق بقلم : سليم مصطفى بودبوس

31 ديسمبر 2022، 18:00


لا تزال الكلمات الرنّانة والشعارات الخلابة عشيّة الإعلان عن الفوز التاريخي في الانتخابات الرئاسية 2019 تداعب مسمعي كلّما تذكرت تلك الليلة التاريخيّة حقّا. لا تزال العبارة الشهيرة: “إمّا أن تتحدّث عنّا أجيال من أحفادنا بفخر، و إمّا أن نكون سطرا مخجلا يدرسونه في كتب التاريخ”.
صحيح لم أُصبِح بَعدُ جدّا حتّى أحدّث الجيل الأوّل من أحفادي عن هذه الحقبة، لكن سأفترض أنّي جَدٌّ وسأفترض أنهم تجمّعوا حولي ذات مساء جميل؛ لأحكي لهم شيئا أفتخر به بعد انتخابات 2019 ..آنذاك سأقول لهم:
“كان يامكان، في حديث الزمان وسالف العصر القريب والأوان، مرشّحان يتنافسان على رئاسة البلاد: هذا رمز الفساد وذاك عنوان النظافة والسّداد، وَصَلا إلى الدور الثاني بعد انتخابات نزيهة شفافة، فاخترنا عنوان النظافة فقد مللنا العبث والعفن في السياسة بعد أن أنجزنا ثورة شعبية على الطغيان سمّوها ثورة الربيع العربي، كان فيها ما كان من جميل الذكريات والمواقف والأحزان صارت معها بلادنا أيقونة الزمان…
لكن، أعقبت تلك الثورة عشرية من الضلال الديمقراطي والفساد السياسي آذنت بخراب البلاد وتشتّت العباد… حتّى وهبنا الله ظلاّ له على وجه الأرض بعد أن أزاح ظلّ الشيطان في تلك الانتخابات الديمقراطية النزيهة، فانفرجت الغمّة وانزاح الهمّ عن الأمّة.
يا أحفادي، كنا في تلك العشرية في جاهلية جهلاء نشقى في ضلال الأحزاب الساري واستغباء إعلام المجاري، حتّى مكّن الله لقائد الأمّة، وآتاه من قوّة المراسيم ما به يقضي على الفساد الذي نخر البلاد؛ فأوقف عمل برلمان الأحزاب، وقال هذه بدعة ما أتى الشعب بها من سلطان، ودعا الناس إلى برلمان الأفراد يُنتخَب من القاعدة؛ ففيه النجاة وكلّ الفائدة، وذهب بحكومة الموالين للأحزاب التي شقّت عصا الطاعة فلا قامت لها قائمة حتى الساعة.
ثمّ انتظرنا أشهرا مديدة حتّى جاءنا المنقذ من الضلال بحكومةٍ جديدة؛ حكومةٍ نجلاءَ واسعة العينين زرقاء اليمامة، لها من بعد النظر ما يكفيها لحلّ مشاكل تونس وكل البشر، حكومة ترأسها لأوّل مرة في تاريخنا امرأة ذات علم وإصرار لا نعرف له قرار، لا تخاف في الحقّ لومة لائم، كثيرة العمل قليلة الكلم، لم نسمع صوتها إلا بعد عام، نراها كل ليلة في مسلسل الأخبار تحرك رأسها طأطأةً، وتأخذ الأوامر والتوجيهات مستعدّةً لا فجأة، لتنقلها إلى أعوانها في الوزارات فتمضي تلك الأوامر قبل أن تلقى عليها الجوازم.
ويوما بعد يوم، يا أحفادي، رأينا بلادنا تركب مدارج العلوّ الشاهق، حتى خشينا عليها من عين الحاسد والسارق، وألفينا كتب التاريخ تتنافس في تدوين الأمجاد والكرامات، وتتسابق في نشر خوارق البطولات؛ فقد قضت مبادرة الشركات الأهلية على البطالة العصيّة التي تعمّقت في عشرية الضلال بسبب المحتكرين والمتآمرين. وفي لمح البصر شُيّدَت المدارس في تلك الحفر التي طويلا ما تجاهلها أصحاب القرار في عشرية الخراب والدمار. وقبل أن يرتدّ إلينا طرفنا، ونحن نشاهد الإنجاز تلو الإنجاز ، بُنِيَت المستشفيات في الأرياف قبل الحاضرات، وتوفّرت الأدوية والأطعمة التي قطعتها علينا جيوب الزمرة المحتكرة حتى كاد مريضنا يموت وفقيرنا ينقطع عنه القوت.
نعم يا أحفادي؛ بين عشية وضحاها سكن محتكرو السياسة السجون، وأتبعهم خبراء التحليل في طاولات الإعلام والمجون، واصطففنا صفّا صفّا: هذا وطني ثابت على وطنيته، وهذا خائن ثابت الخيانة قطعيّ العَمالة… وأنجزنا استشارات إلكترونية ووطنية صارت مرجعا في الديمقراطية، ومذهبا لدى أهل الرويّة. ثم كتب رئيسنا، حفظه الله ورعاه، دستور البلاد؛ كيف لا وقد انتخبه أغلبية العباد وفوّضوا له أمرهم فأحسن القياد، وأحكم القوانين وسنّ في الديمقراطية سُنَن السداد. ثم كانت انتخابات 17 ديسمبر المجيدة حيث انفردنا بنسب مشاركة فريدة، ونظر إلينا العالم نظرة حسد وضغينة؛ فقد دخلنا كتب الأرقام القياسية العالمية في نهج الإصلاح والديمقراطية.
وهاهي يا أحفادي النِّعَمُ علينا وعليكم ظاهرة وفيرة، فلا ترى في البلاد أسرة فقيرة، ولا طوابير لشراء السكر والحليب ولا الزيت العجيب؛ فقد تمّ تصفية الخونة والمحتكرين ومن والاهم من الإعلاميين المأجورين، وكلّ من خرج عن الصراط المستبين، والحمد لله رب العالمين.
يا أحفادي، ها نحن اليوم كما بالأمس وغدا، نشقى في النّعيم بعقولنا وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، أو كما يقول ظاهر المثل: أهل “العقول” في راحة.

مواضيع ذات صلة