نبض مُهاجر…مُنتخب وجمهور…بقلم سليم مُصطفى بودبوس

نبض مُهاجر…مُنتخب وجمهور…بقلم سليم مُصطفى بودبوس

26 نوفمبر 2022، 12:31

        لا تتصوّر عزيزي مقدار الفخر والاعتزاز حين تسمع كلمات المدح والثناء على منتخبك وجمهورك وبلدك وأنت في ديار الغربة. قد تسمعها في بلادنا بين أهلنا فتنتشي بها للحظات، أو ربّما تغمسها في همّ المشكلات الأزلية فتذوب، فلا تحس لها طعما. أمّا وأنت في بلاد غير بلادك، وفي أرض غير أرضك، فالأمر مختلف تماما.

نعم الثلاثاء 22 نوفمبر 2022على الأراضي القطرية كانت لحظة تونسية فارقة: منتخب يقارع الكبار، يلعب فيقنع ويمرّ بجانب الانتصار الكروي، وجمهور يصنع الفرحة والفرجة ويقدم لوحات المحبّة باذخةً في مدارج ملعب المدينة التعليمية وفي شوارع الدوحة وساحاتها فيحقّق الانتصار الرياضي والثقافي والحضاري..

والحقيقة أنّ هذا الإحساس الذي نشعر به، ونحن خارج الوطن، كلما وصلتنا رسائل التهنئة وعبارات التبريكات من أشقائنا العرب وأصدقائنا من غير العرب أيضا، يجعلنا أكثر فخرا بوطننا وأشدّ تعلّقا بخضرائنا.

وليست هذه المرّة الأولى ولا الأخيرة، وليست هذه المناسبة الأولى ولا الأخيرة… فقد عشت لحظات فخر بهذا الوطن ولا أزال؛ فأنتم لا تتصوّرون مكانة تونس في قلوب أشقائنا العرب في المشرق ودول الخليج.. إنهم أحيانا من شدة الإطراء والتمجيد لَيُحرجوننا؛ فتونس في قلوبهم وذاكرتهم خضراء عامرة بالعطاء والمحبة.

 ففي ذاكرتهم تونس الشابي ويلقبونه بـ  “شاعر الخضراء”  ويحفظون له من القصائد أكثر مما نحفظ، ولعلّهم يُجلّونه ويُحبونه كما نحبّه أو أكثر.. في ذاكرتهم البعيدة والقريبة تونس “الثعالبي” الذي زار المشرق والخليج في عشرينات القرن الماضي فترك أثرا بليغا بحكمته ورجاحة عقله وسديد آرائه الإصلاحية..

في ذاكرتهم تونس “بورقيبة” وإن اختلفوا مع رؤاه، فإن كثيرا منهم وقف على رجاحة مواقفه في وقت من الأوقات أيام الصرا ع العربي الإسرائيلي.. لكنهم لا ينسون أن بورقيبة وجيل الاستقلال هو من صنع الدولة الحديثة في تونس ورفع رايتها حتى صارت تصدّر الكفاءات العلمية والصحيّة والتعليمية إلى دول الخليج ودول العالم…

تونس التعليم والثقافة؛ فإلى اليوم لا يزال إخواننا في المشرق والخليج العربي  يردّدون عبارة “الشعب التونسي أكثر الشعوب العربية ثقافة وتعليما”، ويذكرون أسماء لامعة في عالم الثقافة والبحوث والفنون من تونس، بل ويسجلون في الجامعات التونسية طلبا للحصول على الماجستير والدكتوراه ليقينهم بقوة الجامعة التونسية ومصداقية شهاداتها..

تونس الثورة أيضا .. تونس الربيع العربي الذي انبهروا حقا بسلميّته بالرغم ممّا شاب هذه المرحلة التاريخية من تشويه. ولا أزال أذكر السنوات الأولى من الثورة في تونس، ولا أزال أيضا أذكر الصورة الرائعة التي ارتسمت في أذهان أشقائنا العرب عن الشعب التونسي، ولا يزالون يذكرون مشاهد حضارية غير مألوفة في العالم العربي حين شاهدوا مراسم استلام السلطة وتسليمها بين الرئيس المنصف المرزوقي مثلا والرئيس الراحل الباجي قايد السبسي…

تونس السلام والحوار المتحضّر واستحقاقها المشهود لجائزة نوبل للسلام عندما جلس الفرقاء والمنظمات الوطنية العتيدة على طاولة الحوار من أجل كلمة سواء تضع مصلحة تونس في العلياء… صور فريدة رسمتها تونس ولا تزال في عيون الأشقاء العرب…

لكن ومنذ خمس سنوات تقريبا أخذت هذه الصورة في التراجع وللأسف؛ فلا تسمع من بعض الأصدقاء هنا سوى عبارات الاستغراب وأسئلة التحسّر الصادقة :”لماذا صار الوضع في تونس بهذا الشكل”؟ ، ” هل يعقل أنّ تونس لا تتوفر فيها المواد الأساسية من سكر وحليب وزيوت”؟، ” لماذا يتكلم رئيسكم بهذه الحدّة؟ لماذا لا يبتسم”؟، “لماذا تعيش صفاقس بين القمامة”؟  “ما الذي يجري في الجنوب في جرجيس”؟ “ما حكاية انتشار الأفارقة من جنوب الصحراء في تونس”؟…

نعم، اليوم تتهاطل علينا الأسئلة؛ لأنهم على اطلاع شديد بما يجري في تونس، بفضل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي التي لا تترك شاردة ولا واردة إلا وتصدّرها في لحظات… نعم لست أهذي فتونس بالنسبة إلى أشقائنا العرب نموذج يتمنّون له الخير ويعتبرونه أملا مشرقا، ويتألمون لما وصل إليه الحال في بلادنا…    

انظروا كم أخذنا من سنوات لنبني هذه الصورة المشرقة؟ وكم ضحّى أجدادنا وآباؤنا وتفانَوْا في خدمة بلادهم حتى صارت تونس خير مُصدّر للكفاءات العربية في شتى المجالات؟ انظروا هذه الصورة المشرقة لمنتخبنا اليوم ولجمهورنا العزيز في قطر كما كان في روسيا! انظروا أيها الساسة في بلادنا إلى سفراء تونس من عامة الشعب وهم يسعون إلى تمثيل بلادهم أحسن تمثيل ورسم صورة زاهية لتونس!

أيها السّاسة أفلا تنظرون وتعقلون؟

مواضيع ذات صلة