14 جانفي … ذكرى نحو المجهول.. سليم مُصطفى بودبوس
على امتداد السنوات الأولى بعد 14 جانفي 2011، كنّا ننتظر موعد عيد الثورة على أحرّ من الجمر لتعمّ الأفراح والاحتفالات في كامل البلاد، ولنجدّد تمسّكنا بانتقالنا السلميّ نحو نظام ديمقراطي وسط اهتمام عالميّ وإشادة غربيّة بقدرة التونسيين على تجاوز اختلافاتهم عبر الحوار. وقد نالت بلادنا، مُمَثّلة في الرباعي الراعي للحوار الوطني سنة 2015، وللمرة الأولى، جائزة نوبل للسلام من خلال تجربة “الحوار الوطني”. فهل ما زال لذكرى الثورة التونسية ذلك الوهج؟ أم هي ذكرى نحو المجهول؟ وهل لمسار الانتقال الديمقراطي في تونس اليوم من معنى؟ أم أنّه فقد كل معناه خاصة بعد الإجراءات المنفردة لرئيس الجمهورية قيس سعيد؟
كانت الاحتفالات في تونس تنطلق منذ 17 ديسمبر من كل سنة وتتواصل حتى 14 جانفي من العام الذي يليه. لكنّ الاحتفال بهذه المناسبة تراجع بشكل تدريجي وخاصة منذ 2018 حين استشعرنا ركوب العديد من المكونات السياسية على هذه الثورة وفشلهم في إنقاذ البلاد من التدهور والتراجع غير المسبوق في نسب النمو الاقتصادي، ومن تضخم نسب البطالة وغيرها من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية التي عمّقت في التونسيين الإحساس بأنّ ثورتهم لم تحقق لهم المأمول.
ويعود هذا الفشل إمّا إلى عجز الطبقة السياسية الموجودة، أو بسبب الوضع الجيوسياسي والتدخلات الخارجية… فضلا عن دور جزء معيّن من الطبقة السياسية والإعلامية في ترذيل الثورة وتهميش مخرجاتها. وهكذا تلاشت تلك الفرحة التي كانت تتجدّد كل سنة حتى لا يكاد البعض يذكرها اليوم إلا بالشّفقة والتأسّف على ضياع فرصة تاريخية لتحوّل حقيقيّ في تونس.
وفي نهاية العام 2022 بدت الصورة مختلفة نوعا ما؛ فقد تزامن السابع عشر من ديسمبر 2022 مع إجراء انتخابات برلمانية على قاعدة الأفراد لا الأحزاب كان قد أعلن عنها الرئيس قيس سعيد بمفرده ودون استشارة الأحزاب والمنظمات الوطنية الفاعلة في المشهد السياسي طيلة العشرية الأخيرة. وشهدت هذه الانتخابات مشاركة ضعيفة جدا لم تتجاوز 9% من الجسم الانتخابي بحسب المعارضة السياسية، وبلغت 11% بحسب الرواية الرسمية، وقد وصفها الخصوم السياسيون لقيس سعيد بالمهزلة والمسخرة بعد أن كانت الانتخابات في تونس مفخرة. وتنتظر هذه الانتخابات جولة ثانية في 14 جانفي 2023 لاستكمال مقاعد برلمان جديد.
ويبدو أنّ الرئيس قيس سعيد أراد أن يستثمر سياسيا في اختيار تاريخ 17 ديسمبر للانتخابات التشريعية في دورها الأول و14 جانفي في دورها الثاني. لكن يبدو أنّ الشعب التونسي لم يكن مقتنعا بهكذا طريقة أحادية في تنظيم الانتخابات؛ لذلك كانت المقاطعة كبيرة والرسالة قوية. وتأكّد أنه لن يعود بهذه المناسبة الانتخابية لعيد الثورة ألقه ولا بريقه الذي كان يشع وطنيا وعالميا، فقد كان للإعلام الأجنبي حضور كبير في 14 جانفي من كل سنة بعد الثورة لنقل صورة تونس الجديدة.
من جهة أخرى تحاول المعارضة السياسية والمنظمات المدنية التي جمّعت نفسها في ما صار يعرف بـ”جبهة الخلاص الوطني” تصحيح المسار الثوري وردّ الاعتبار لدور الشارع السياسي والمعارضة الوطنية البناءة، فهي لم تعدم حقوق النزول إلى الشارع ومخاطبة الجماهير في أكثر من مناسبة، وهاهي أيضا تستعد لتستثمر من جديد في تاريخ 14 جانفي 2023 بتنظيم مسيرة ووقفة احتجاجية على كل إجراءات ومراسيم الرئيس التي يعتبرونها “انقلابا” على دستور الثورة 2014 وخيانة للوطن.
كل هذا يجري والتونسي مشغول بخبزه اليومي وزيته وحليبه وسُكَّره وكل ما يؤمّن قوته وقوت عياله، التونسيّ مهموم بغلاء فاحش في الأسعار وتدهور غير مسبوق في القدرة الشرائية في ظل أزمة حادة تكاد تصل فيها البلاد إلى حافة الإفلاس والانهيار. فعن أي ذكرى ستحدّثه وإلى أي احتفالات أو انتخابات أو احتجاجات سيخرج في 14 جانفي؟
لقد عرف الانتقال الديمقراطي في تونس منعرجا خطيرا في الأشهر الأخيرة؛ فقد اختار الرئيس الذهاب بإصلاحاته إلى الأمام منفردا، لكنّ هذه الإصلاحات لم تظهر نتائجها الملموسة على “قفّة” المواطن وعلى ظروفه المعيشية، ولا على الخدمات الصحية أوالتعليمية وغير ذلك مما ينتظره المواطن في تونس. بل ربّما صار المواطن يشعر بعدم الاطمئنان في ظل تقييد العديد من الحريات ولا سيما حرية التعبير بمراسيم رئاسية، وفي ظلّ خطاب رسمي من الرئيس يُقسِّم التونسيين إلى وطنيين صادقين وخونة وعملاء مما جعل العديد يسأل عن موقعه في هذا المعادلة الخطيرة!
صحيح أنّ بعض التونسيين سوف يُحيون ذكرى 14 جانفي السنوية، لكن ببرود شديد من الطيف الأكبر في البلاد، ويأس في تحسّن الأوضاع على المدى القريب والمتوسط لا سيما مع البرنامج الاقتصادي المخيّب لآمال التونسيين والذي أعلنته الحكومة منذ أيام قليلة. سيُحيي التونسيّون هذه الذكرى بسعي حميم من الأطراف السياسية لاستثمار التاريخ الرمزي بتنظيم وقفات احتجاجية ومظاهرات لإبراز الحجم الجماهيري لكل طيف سياسي في محاولة متجدّدة للتأثير في قرارات الرئيس.
سيُحيي التونسيون ذكرى 14 جانفي السنوية، لكن في ظلّ تطوّرات سريعة وخطيرة، وفي ظل تفاقُمِ الانقسام وتصاعد التوتر على أكثر من مستوى، لتكون هذه الذكرى مرة أخرى في مهبّ الانقسام، والسير بنا نحو المجهول.





