ابن الجزار القيرواني….بقلم : محمد جمال الشرفي.
ابن الجزار القيرواني هو أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد، ولد في القيروان نحو سنة 898م وتوفي نحو 979م، والتواريخ تقريبية لأن المصادر غير متفقة. نشأ في أسرة أطباء، ولقب “الجزار” يعود إلى حرفة قديمة في العائلة وليس إلى مهنته. تتلمذ على إسحاق بن عمران وإسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وكان القيروان آنذاك مركزا طبيا مهما في المغرب الإسلامي. عاش في العهد الفاطمي ويُذكر أنه اتصل بالبلاط، وكان مشهورا بالطب السريري وبالصيدلة، أي بعلاج المريض وتركيب الدواء، لا بالتنظير فقط.
وصفه بأنه “طبيب أطفال” فيه تبسيط. لم يكن اختصاص طب الأطفال موجودا بالمعنى الحديث، وكان طبيبا عاما كتب في فروع كثيرة. أما كتابه “سياسة الصبيان وتدبيرهم” فهو من أقدم النصوص العربية المتخصصة في رعاية الطفل، لكنه ليس الأول، فقد سبقه الرازي في كتابه “أمراض الأطفال”. قيمة الكتاب في أنه يجمع الوقاية والتغذية في أمر واحد، فيتناول الرضاعة والفطام ونظافة الرضيع وأمراضه الشائعة وعلاجها.
أما وصف ما قدمه بأنه “اكتشافات” فغير دقيق. الطب في عصره لم يعمل بالمنهج التجريبي الذي نعرفه اليوم، وإسهام ابن الجزار كان في التنظيم والوصف السريري والتطبيق، لا في كشف أسباب الأمراض. ومن أبرز أعماله كتاب “زاد المسافر وقوت الحاضر”، وهو دليل طبي عملي يرتب الأمراض من الرأس إلى القدم ويذكر الأعراض والعلاج، ومعه كتاب “طب الفقراء والمساكين” الذي يقترح أدوية رخيصة ومتاحة، وهي فكرة اجتماعية متقدمة نسبيا. وكتب أيضا عن النسيان وعلاجه، فجمع بين العوامل الجسدية والغذائية والنفسية في تفسيره، وعن الجدري والحصبة، ومنه كتاب “الاعتماد في الأدوية المفردة” في الصيدلة. وكتابته في الصحة الجنسية مثال على اتساع اهتماماته.
انتقل أثر ابن الجزار إلى أوروبا عبر الترجمة. ترجم قسطنطين الأفريقي “زاد المسافر” إلى اللاتينية في أواخر القرن الحادي عشر في دير مونتي كاسينو باسم “Viaticum”، وصار من المراجع المعتمدة في مدرسة سالرنو وغيرها من الجامعات الطبية الأوروبية في العصور الوسطى. وظهرت له ترجمات إلى العبرية، منها ترجمة موسى بن تبون في القرن الثالث عشر، وإلى اليونانية في العصور الوسطى المتأخرة. وهنا نقطة ينبغي ألا تُغفل: قسطنطين نسب جزءا من العمل لنفسه أو لم ينسبه إلى صاحبه بوضوح، فتأخر الاعتراف بمؤلفه الحقيقي، وهذا من أسباب أن اسم ابن الجزار أقل شهرة من الرازي أو ابن سينا مع أن أثره الفعلي كان كبيرا. كما ضاع جزء من مؤلفاته بالعربية، وبقي بعضها في ترجمات لاتينية أو عبرية فقط.
أما في تونس فلا أملك معلومات مؤكدة عن مناهج دراسية محددة تُدرّس كتبه اليوم، ولن أخترع ذلك. الثابت أن اسمه حاضر في الذاكرة العلمية التونسية، ومنه مستشفى الجامعي بالقيروان الذي يحمل اسمه، وأن كتبه نُشرت وحُققت ودُرست في سياق تاريخ الطب العربي، وهو مجال بحث لا تدريس إكلينيكي، لأن الطب الحديث لا يعتمد على نصوصه في العلاج.
الخلاصة التحليلية أن ابن الجزار مهم كحلقة في نقل المعرفة الطبية وتنظيمها وتبسيطها، وليس كصاحب اكتشاف حاسم. من يقدمه على أنه “مكتشف” أو “أول طبيب أطفال” يضعف حجته ويعرضها للنقد، والأقوى تاريخيا أن تقول إنه طبيب سريري عملي كتب مرجعا ذا أثر دولي، ورائد عربي في الربط بين الطب والمجتمع والفقراء، وإن هذا الأثر وصل إلى أوروبا عبر اللاتينية والعبرية واليونانية، لا عبر شهرة اسمه.




