التراث والذاكرة  في  خطر بقلم : محمد جمال الشرفي

التراث والذاكرة في خطر بقلم : محمد جمال الشرفي

9 أوت 2026، 20:44


يشكل التراث – سواء كان ماديًا أو أثريًا أو وثائقيًا أو غير مادي – الذاكرة المادية للمجتمعات البشرية. فهو يربط الأجيال، ويرسخ الهويات الجماعية، وينقل المعرفة والقصص والممارسات. ومع ذلك، فإن هذا التراث مهدد اليوم من جميع الجهات: النزاعات المسلحة، وتغير المناخ، والتوسع الحضري المتسارع، والإهمال المؤسسي، ومؤخرًا، هشاشة التراث الرقمي. تقدم هذه المقالة نظرة عامة على هذه التهديدات وتحليلًا للتحديات التي تطرحها على علاقتنا الجماعية بالماضي.
النزاعات المسلحة: التدمير كسلاح
لقد جعلت الحروب المعاصرة من التراث هدفًا متعمدًا. إن تدمير تماثيل بوذا في باميان على يد طالبان عام ٢٠٠١، وتدمير المواقع الأثرية في تدمر على يد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، والأضرار التي لحقت بالمتاحف والمكتبات في العراق وليبيا، ومؤخراً في أوكرانيا، كلها تُجسّد منطقاً واحداً: إن محو الآثار المادية لحضارة ما يُعدّ بمثابة إنكار لوجودها ومحو لذاكرة شعبها. هذه الظاهرة، التي يُشار إليها أحياناً بـ”التطهير الثقافي”، تتجاوز مجرد الخسارة المادية؛ فهي تهدف إلى قطع الصلة بين مجتمع ما وتاريخه.
المناخ: تهديد صامت لكنه مستمر
على الرغم من أن تغير المناخ أقل إثارة من الحرب، إلا أنه يُخلّف أثراً عميقاً ودائماً. فارتفاع منسوب مياه البحر يُهدد مواقع ساحلية مثل البندقية وبعض المدن التاريخية في غرب أفريقيا. وتُضعف موجات الحر والحرائق والفيضانات آثاراً أثرية عمرها آلاف السنين، بينما يُسرّع التصحر والتآكل من تدهور المواقع الأثرية الهشة أصلاً. يزداد هذا الخطر خبثًا لأنه يتسلل ببطء، دون أن يُثير الغضب الفوري الذي يُثيره التدمير المتعمد، رغم أن آثاره غالبًا ما تكون لا رجعة فيها.
التوسع الحضري والضغوط الاقتصادية
يُمارس التوسع الحضري والمضاربة العقارية والسياحة الجماعية ضغوطًا كبيرة على التراث. تُهدم الأحياء التاريخية أو تُغير باسم التحديث؛ وتعاني المواقع المُدرجة من تدفق سياحي مُفرط، مما يُسرّع من تدهورها. ويظل التوتر بين ضرورة الحفاظ على التراث وحتمية التنمية الاقتصادية أحد أبرز التحديات التي تواجه سياسات التراث، لا سيما في البلدان التي تُعاني من محدودية الموارد المُخصصة للحفظ.
الذاكرة غير المادية والرقمية في خطر
لا يقتصر التراث على الحجر. فاللغات والمهارات الحرفية والتقاليد الشفوية والممارسات الطقوسية تتلاشى بمعدل مُقلق، غالبًا بسبب غياب التناقل بين الأجيال. وفي الوقت نفسه، يُقدم العصر الرقمي مُفارقة جديدة: فبينما لم يُنتج من الأرشيفات أي عدد من الأرشيفات في أي وقت مضى، فإن الحفاظ عليها على المدى الطويل ليس مضمونًا على الإطلاق. يشكل التقادم التكنولوجي، واختفاء صيغ الملفات، وإغلاق المنصات، أو حتى غياب سياسات الحفظ الرقمي، خطرًا حقيقيًا على هذه الذاكرة المعاصرة.
تحليل: أهمية هذه الخسارة
تبرز من هذه الملاحظة عدة قضايا. أولًا، قضية الهوية: يُعزز التراث الشعور بالانتماء والاستمرارية بين الماضي والحاضر؛ ويُضعف اختفاؤه المرجعيات الجماعية، لا سيما بالنسبة للمجتمعات المُهجّرة أو المهمشة. ثانيًا، قضية المعرفة: يُعد كل موقع أو وثيقة أو ممارسة مفقودة مصدرًا لا يُعوّض للمعلومات حول تاريخ البشرية، علميًا وثقافيًا. أخيرًا، قضية أخلاقية وسياسية: تُحمّل حماية التراث الدول والمؤسسات الدولية والمواطنين أنفسهم مسؤوليةً، في سياق غالبًا ما تكون فيه الموارد المُخصصة للحفظ غير متناسبة مع حجم التهديدات.
اللافت للنظر عند دراسة هذه التهديدات المختلفة هو طبيعتها التراكمية. فالموقع الذي يُضعفه تغير المناخ يصبح أكثر عرضةً للإهمال؛ والمنطقة التي تشهد نزاعات تنهار مؤسساتها الثقافية، مما يُفاقم بدوره هجرة المعرفة والذكريات الحية. لذا، فإن هشاشة التراث ليست مجرد نتيجة لصدمات معزولة، بل هي تراكم لنقاط ضعف متداخلة ومتفاقمة.
الاستجابات الممكنة
في مواجهة هذه المخاطر، توجد عدة خيارات: تعزيز الأطر القانونية الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في أوقات الحرب؛ دمج التراث في سياسات التكيف مع تغير المناخ؛ تطوير الرقمنة لأغراض التوثيق والحفظ، مع توقع المخاطر الكامنة في التكنولوجيا الرقمية نفسها؛ وقبل كل شيء، نقل المعارف والممارسات غير المادية بنشاط إلى الأجيال الجديدة.إنّ الحفاظ على الذاكرة شرطٌ أساسيٌّ لبقائها حيّةً لا مجرّد حفظها.
الخلاصة
التراث ليس أمرًا مفروغًا منه، بل يتطلّب يقظةً دائمةً وخياراتٍ سياسيةً مدروسة. إنّ الحفاظ عليه ليس مجرّد حنينٍ إلى الماضي، بل هو استثمارٌ في قدرة المجتمعات على فهم ذاتها ونقل إرثٍ مشترك. في ظلّ تزايد التهديدات – كالحروب، وتغيّر المناخ، والتوسّع الحضري، ومحو الذاكرة الرقمية – لم يعد السؤال مجرّد ما يجب الحفاظ عليه، بل كيف ننظّم هذه المسؤولية جماعيًّا قبل أن تتحوّل الذاكرة نفسها إلى خراب.

مواضيع ذات صلة