التعليق الرياضي… إلى أين ؟…سامي النيفر
التعليق فنّ جميل أصيل تربّينا عليه وأحببناه ولعل الكثيرين منّا حلموا يوما أن يكونوا معلّقين أو منشّطين وكان أمامهم قدوات كبيرة وقامات مديدة في هذا المجال ولكن كل شيء تغيّر اليوم في زمن الرّداءة فالتعليق أصبح تهريجا وصراخا وتعصّبا وتأتأة وابتعد الكثير من المذيعين عن أصول المهنة..
يكاد رأس الواحد منا يتصدّع أمام معلّقي البين سبورت وأكثر المعلّقين العرب الذين ركبوا موجة الصراخ والإثارة والتعصب والعرض الفلكلوري فحفيظ الدراجي الذي كان من أروع الإعلاميين الجزائريين في التسعينيات أصبح يصرخ ويبالغ ويتكلّم بسرعة وبنرفزة فيمرّر تشنّج أعصابه لنا ولا يأخذ نَفَسًا وله عبارات مبالغة على غرار : “لو أعدتها مئة مرة لدخلت الشباك”، “في إنقلترا يجب أن تسيل الدماء حتى يعلن الحكم عن ضربة جزاء”..
يتبعه خليل البلّوشي الذي يصرخ ويتأوّه في كل فرصة “هو هو.. هو”، “لا لا لا لا…” ومعهم عصام الشّوّالي الذي فقد رصانته وأصبح منجّما يتكهّن بنتائج المباريات “إن لم يسجّل هذا الفريق بعد 10دق فسيسجل الفريق الآخر”، “أراهنكم أنّ هناك هدفا بعد دقائق”… “انتهت المباراة وسأقطّع أوراقي”.. مع صراخ وكأنّه برّاح في سوق..
وكذلك ركب رؤوف خليف موجة أمريكا اللاتينية التي قد تطربنا أحيانا ولكن المبالغة فيها يجلب وجع الرأس ويسقط المذيع في التهريج.. ربّما هذا ما يريده جمهور المقاهي وربما الرياضة أصبحت أكثر عنفا وتعصّبا ولكن على المذيع أن يهدّئ الأجواء لا أن يصبّ الزيت على النار..
وفي الجهة الأخرى هناك معلّقون نائمون وصوتهم يثقب طبلة الأذن دون تنغيم ودون أن يتركوا نفسا أو فاصلا صغيرا بين جملهم الركيكة على غرار عبد الرّحمان العشّ (ملك التّأتأة) وجواد البدّة ومحمّد بركات.. ولو نأتي بأي شخص هاو سيعلّق أفضل منهم والغريب أن البين سبورت الجزيرة الرياضية سابقا كانت قد أنجزت برنامجا رائعا رائدا لا يُنسى من الأذهان سنة 2008 بعنوان “مشروع معلّق” توضّح فيه قواعد المهنة للمتسابقين الهواة الذين كان البعض منهم أفضل ممّن يوجد على الساحة…
ونواصل مع حسني الزغدودي الذي له موهبة جيدة ولكن مشكلته أنه يتفلسف ويتحذلق في الكلمات وله قاموس خاص به وحده وآخر ما جاد به علينا في هذا المجال كلمة “الجالية الصفاقسية” التي استعملها في غير محلّها عن حسن نيّة كما يقول هو..
وربما ركبه بعض الغرور على غرار هشام الخلصي الذي يقاطع ضيوفه ويهينهم أحيانا على شاكلة سمير الوافي فلا نسمع شيئا ولا نستفيد شيئا مع خطب الخلصي التي هي بمثابة المونولوج ورغم مسيرته الطويلة فهو يتعثّر في الكلام إلى اليوم..
نشتاق إلى إعلامي رياضي رصين على غرار توفيق العبيدي ورضا العودي (الذي لم يكن صراخه تهريجا) وأيمن جادة ومصطفى الآغا ورازي القنزوعي وزهير بن صالح وسوار الذهب (الذي تهمله البين سبورت) وخالد الغول.. لا نريد معلقا يصف لنا تنقّل الكرة الذي نراه بل نريده تعليقا تلفزيا يعطينا هوامش وإحصائيات وكواليس ويمتعنا ويتكلم لغة سليمة وبلحن جميل لا يصرخ ولا ينهق ولا يتكبّر ولا يتفلسف يكون محايدا غير متعصّب لفريق على حساب آخر.. فأين المهنية وأين الحرفيّة يا أصحاب الحناجر الذهبية ؟
سامي النيفر





