الثقافة في تونس: بين الواقع والوهم والسياسة…بقلم : محمد جمال الشرفي.

الثقافة في تونس: بين الواقع والوهم والسياسة…بقلم : محمد جمال الشرفي.

20 أوت 2026، 21:45

في تونس، لا تقتصر الثقافة على الكتب والمهرجانات والعروض الفنية والندوات، كما أنها ليست فضاءً منفصلاً عن المجتمع والسياسة والاقتصاد. إنها، قبل كل شيء، الطريقة التي يفكر بها المجتمع، ويناقش، ويخلق المعنى، ويشكل الوعي. لذا، فإن تناول الثقافة التونسية اليوم يُلزمنا بتجاوز الصورة الرسمية الاحتفالية، وأن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي يتبقى من الثقافة عندما تُختزل إلى مسألة إدارية، أو حدث موسمي، أو وسيلة لتلميع صورة كيان ما، أو امتياز تمنحه السلطات لأتباعها؟
هنا يبرز بقوة سؤال الثقافة وأشباه المثقفين. يجب أن يمتلك المثقف الحقيقي موقفاً وقدرة على النقد والتساؤل، حتى عندما يكون هذا النقد موجهاً إلى الجهة التي تدعمه أو توفر له منبراً. أما شبه المثقف، فيُحوّل الثقافة إلى مهنة، وأداة لتعزيز مصالحه الخاصة، ووسيلة لبناء شبكة علاقات. ينحازون إلى السلطات عندما يخدم ذلك مصالحهم، وينأون بأنفسهم عنها عندما تتغير موازين القوى. لا تكمن المشكلة في اختلاف الآراء – فالاختلاف أمر طبيعي – بل في تحوّل المواقف الثقافية إلى سلع تُباع وتُشترى، وفي تحوّل المثقف، الذي كان صوت المجتمع، إلى صدى للسلطة الأقوى.
هنا تبرز الثقافة، عالقةً بين الواقع والخيال. فهناك ثقافةٌ حاضرةٌ في التقارير الرسمية والمناهج والإحصاءات والمهرجانات، وأخرى يعيشها الناس في أحيائهم ومدارسهم وجامعاتهم ومناطقهم الريفية ومكتباتهم التي تُغلق أبوابها ومسارحهم ذات الموارد المحدودة. ويكشف الاختلاف بين هاتين الثقافتين أحيانًا عن فجوةٍ كبيرةٍ بين الخطاب الثقافي والتجربة المعيشية للمواطنين. فالحديث عن مجتمعٍ متطورٍ ثقافيًا لا يُحوّله إلى واقعٍ بمجرد تنظيم مهرجانٍ أو ندوة؛ بل يُقاس ذلك بمدى وصول المواطنين إلى الكتب والفنون والمعرفة، ووجود مساحاتٍ أصيلةٍ للشباب، ومدى حرية التعبير والنقد والإبداع.
أما الدعم الثقافي، فهو ضرورةٌ في جوهره، وليس منّة. يقع على عاتق الدولة واجب دعم الثقافة لأنها عنصرٌ أساسي في بناء المجتمع. لكن السؤال الجوهري هو: كيف يُقدَّم هذا الدعم؟ ولمن يُوجَّه؟ وعلى أي أساس؟ عندما يرتبط الدعم بالعلاقات السياسية أو القرب من دوائر صنع القرار، تتحول الثقافة تدريجيًا إلى ساحةٍ للمحسوبية بدلًا من كونها فضاءً للإبداع. وعندما يُكمَّم أفواه المثقفين للحفاظ على هذا الدعم، يفقد الثقافة أهميتها الثقافية ويصبح أداةً للإكراه.
لا يُمكن إنكار الدور المحوري للدولة في الشؤون الثقافية. إذ يجب عليها توفير البنية التحتية، وحماية التراث، ودعم المؤسسات الثقافية، وضمان الوصول إلى الثقافة لجميع فئات المجتمع. مع ذلك، قد تُظهر الدولة نفسها وجهين متناقضين: أحدهما يُعلن الثقافة حقًا وضرورةً وطنية، والآخر يُمارس البيروقراطية والتهميش، مُستبعدًا مناطق بأكملها من المشهد الثقافي. وبالتالي، لا تكمن المشكلة دائمًا في غياب الخطاب الثقافي، بل في الفجوة بين الأقوال والأفعال.
من أخطر الأفكار التي قد تُورَّث للشباب الاعتقاد الخاطئ بأن الثقافة والسياسة أمران منفصلان تمامًا. صحيح أن الثقافة ليست حزبًا سياسيًا، وأن الفن ليس برنامجًا انتخابيًا، إلا أن الثقافة لا يمكن أن توجد بمعزل عن المجتمع والسياسة بمعناها الأوسع. فخياراتنا الثقافية – ما ندعمه، وما نُعلِّمه، وما نُقدِّمه، ومن نمنحه منصة، ومن نتجاهله – لها جميعًا تداعيات اجتماعية وسياسية. حتى محاولة تقديم الثقافة على أنها محايدة تمامًا قد تُشكِّل موقفًا سياسيًا عندما تؤدي إلى فصلها عن هموم المواطنين.
يحتاج الشباب إلى ثقافة تُعلِّمهم التفكير لا الطاعة، والتساؤل لا التكرار، والتعبير عن الاختلاف لا الخوف. إذا فُصلت الثقافة بشكل مصطنع عن الواقع السياسي والاجتماعي، فإننا نُخرِّج جيلًا يستهلكها كترف، لا كوسيلة لفهم واقعه وتغييره. ليس الهدف تحويل كل فنان إلى سياسي، ولا كل مثقف إلى ناشط، بل إدراك أن الفرد…الشخص المتعلم هو في المقام الأول مواطن، له الحق في التساؤل والنقد والمعارضة والاقتراح.
لكن الأخطر من ذلك هو عندما تتحول الثقافة إلى واجهة للشعبوية. لا تحتاج الشعبوية دائمًا إلى قمع الثقافة؛ ففي بعض الأحيان يكفي إفراغها من جوهرها، واختزالها إلى مجرد مظاهر وصور وشعارات، تُقدم للجمهور ما يُرضيهم مؤقتًا بدلًا من مساعدتهم على التفكير في مشاكلهم الحقيقية. حينها، تصبح الثقافة أداة لتهميش الناس باسمهم. يكون الجمهور حاضرًا في المجالس، لكنه غائب عن عمليات صنع القرار، ويصبح المثقف مشهورًا بترديد ما يرغب الناس في سماعه، لا بقول ما يحتاج المجتمع إلى سماعه.
الثقافة التي تخشى مواطنيها ثقافة ضعيفة؛ والثقافة التي تخشى السلطة ثقافة ضيقة الأفق؛ والثقافة التي لا تسعى إلا إلى التصفيق ليست سوى استعراض. ​​أما الثقافة الحقيقية، فهي التي تتحدى أحيانًا، وتطرح أسئلة صعبة، وتمنح صوتًا للمهمشين، وتفتح آفاقًا جديدة للشباب، وتواجه الوهم بالحقيقة.
لذا، فإن إصلاح المشهد الثقافي التونسي لا يتطلب ميزانيات أكبر فحسب، بل يتطلب قبل كل شيء إعادة تقييم جذرية للعلاقات بين الثقافة والدولة والسياسة والمجتمع. نحن بحاجة إلى شفافية في التمويل، وتوزيع عادل للفرص، واستقلالية أكبر للمؤسسات الثقافية، وتشجيع مبادرات الشباب، والانفتاح على النقد البناء، ووضع حد لتخريج مثقفين يهللون للسلطة أو الرأي العام وفقًا لمصالحهم الشخصية.
الثقافة ليست زينة للدولة، ولا امتيازًا للنخبة، ولا وسيلة للهروب من الواقع. الثقافة حق من حقوق المجتمع، وأداة لفهمه، ومرآة تكشف تناقضاته. إذا أردنا مستقبلًا مختلفًا لتونس، فلا يمكننا بناؤه من خلال الاقتصاد والسياسة والإدارة فقط؛ لأن المجتمع الذي يفشل في تنمية التفكير النقدي سيظل عاجزًا عن تغيير واقعه، بغض النظر عن تغير الوجوه أو الشعارات.
إذن، المعركة الثقافية الحقيقية ليست بين الثقافة والسياسة، ولا بين الدولة والمثقفين، بل بين ثقافة تفتح أعين الناس وثقافة تجبرهم على إغماضها. بين ثقافة تجعل المواطن شريكاً في بناء المستقبل وثقافة تختزله إلى مجرد متفرج على مستقبل يشكله الآخرون.

مواضيع ذات صلة