الخبز بين الماضي والحاضر: من غذاء أساسي إلى منتج صناعي….بقلم : محمد جمال الشرفي.

الخبز بين الماضي والحاضر: من غذاء أساسي إلى منتج صناعي….بقلم : محمد جمال الشرفي.

10 أكتوبر 2026، 20:45

بالنسبة لأسلافنا، لم يكن الخبز مجرد عنصر مرافق للوجبات، بل كان جزءاً من نمط حياة يرتبط بالأرض والحبوب، وكذلك بتقنيات الطحن والتخمير والإعداد. وفي المقابل، أصبح الخبز الذي نستهلكه اليوم إلى حد كبير منتجاً صناعياً تحكمه متطلبات السرعة والتكلفة والإنتاج الضخم والثبات في المواصفات، سواء تعلق الأمر بالشكل أو المذاق أو مدة الصلاحية. لذا، فإن المقارنة بين خبز الماضي وخبز الحاضر لا ينبغي أن تستند إلى مجرد الحنين إلى الماضي أو الاعتقاد بأن كل ما هو قديم أفضل بالضرورة؛ بل ينبغي النظر في طبيعة الحبوب، ودرجة تكرير الدقيق، وطرق التخمير، ومكونات الخبز، وأخيراً تأثيره على صحة الإنسان.
في العديد من المناطق، استخدم أسلافنا حبوباً متنوعة تتلاءم مع البيئة الزراعية والثقافة المحلية؛ حيث كان القمح الكامل -أو قليل التكرير- يحتفظ بجزء أكبر من مكونات الحبة. وعند طحن الحبة كاملة، تظل النخالة والجنين موجودين إلى جانب النشاء، مما يضمن محتوى أعلى من الألياف والفيتامينات والمعادن والمركبات النباتية مقارنة بالدقيق الأبيض شديد التكرير. وعلى النقيض من ذلك، فإن عملية التكرير في صناعة العديد من أنواع الخبز الحديث تزيل الجزء الأكبر من النخالة والجنين؛ فيكتسب الدقيق نعومة أكبر وقدرة أطول على البقاء صالحاً للاستهلاك، لكنه يفقد جزءاً مهماً من الألياف والعناصر الغذائية الموجودة طبيعياً في الحبة.
وهنا تكمن إحدى الفروق الرئيسية بين الخبز التقليدي والخبز الحديث. لا تكمن المشكلة في الخبز بحد ذاته، ولا في القمح كنوع من الحبوب، بل في درجة المعالجة ونوع الدقيق وطريقة تحضير المنتج النهائي. وعليه، لا يمكن مساواة الخبز المصنوع من الدقيق الكامل الغني بالألياف بالخبز المُعدّ أساساً من الدقيق الأبيض المكرر. وعلاوة على ذلك، فإن مجرد تسمية “خبز كامل” لا تكفي للحكم على جودته؛ إذ ينبغي النظر في مكونات المنتج، ونسبة الحبوب الكاملة فيه، ومحتواه من الألياف والملح والسكريات والدهون المضافة.
وتكمن أهمية الألياف في دورها في عملية الهضم والشعور بالشبع؛ كما ترتبط الأنظمة الغذائية الغنية بالألياف بانخفاض خطر الإصابة بأمراض مزمنة متنوعة، ولا سيما أمراض القلب والأوعية الدموية، وبعض الاضطرابات الهضمية، وداء السكري من النوع الثاني. وبالتالي، فإن الانتقال من خبز يحتفظ بمعظم مكونات الحبة إلى خبز أبيض شديد التكرير قد يؤدي – إذا كان هذا الأخير يشكل جزءاً رئيسياً من النظام الغذائي – إلى انخفاض في كمية الألياف المستهلكة.
ومع ذلك، ثمة جانب آخر غالباً ما يُغفل في هذا النقاش، ألا وهو طريقة التخمير. ففي حالة الخبز التقليدي الذي يتطلب تخميراً طويلاً مثل بعض أنواع الخبز المعتمد على التخمير الطبيعي – تخضع العجينة لتفاعلات بيولوجية تغير من خصائصها وتركيبتها. ويمكن لبعض عمليات التخمير أن تحسّن قابلية هضم الخبز وتؤثر في مدى توافر بعض المعادن حيوياً، فضلاً عن تعديل استجابة الجسم لمستوى السكر في الدم مقارنة بمنتجات أخرى؛ غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن كل خبز مخمّر طبيعياً هو صحي حتماً، أو أن الخبز الحديث ضار بالضرورة. لذا، تعتمد النتيجة النهائية على نوع الحبوب والدقيق والوصفة ومدة التخمير وحجم الحصة والنظام الغذائي ككل. علاوة على ذلك، لا يمكن تجاهل التغيرات التي طرأت على عادات الاستهلاك؛ فقد عاش أسلافنا في بيئات تتطلب جهداً بدنياً مستمراً لا سيما في العديد من المجتمعات الزراعية في حين أصبحت أنماط الحياة المعاصرة تميل أكثر إلى الخمول وقلة الحركة. ومن ثم، فإن الإفراط في تناول الخبز الأبيض أو المنتجات المصنوعة من الدقيق المكرر يشكل مشكلة أكبر عندما يقترن بنظام غذائي غني بالسعرات الحرارية ونشاط بدني محدود. ولا تكمن المشكلة في قطعة الخبز بحد ذاتها، بل في التفاعل بين جودة الأغذية وكميتها، والاحتياجات الطاقية للجسم، ونمط الحياة.
بالإضافة إلى ذلك، تختلف تركيبة الخبز الحديث أحياناً عن تركيبة الخبز التقليدي؛ إذ قد تحتوي بعض المنتجات الصناعية على كميات كبيرة من الملح أو السكر أو الدهون أو المضافات الغذائية التقنية، بينما يُعد الخبز البسيط المُعد من الدقيق الكامل والماء والخميرة (أو العجين المخمر) وكمية معتدلة من الملح أقرب إلى كونه غذاءً أساسياً صحياً وبسيطاً. وفي المقابل، سيكون من الخطأ افتراض أن الخبز التقليدي كان دائماً مثالياً. ؟»، بل السؤال الأكثر دقة هو: «ما الذي كان يجعل بعض أنواع خبزهم أكثر فائدة، وكيف يمكن الحفاظ على تلك الخصائص في غذائنا اليوم؟». فالمعيار الحقيقي لجودة الخبز هو تركيبته وطريقة إنتاجه ومكانه داخل النظام الغذائي، وليس عمر الوصفة وحده. والخبز الجيد ليس بالضرورة خبزا قديما، كما أن الخبز الحديث ليس بالضرورة سيئا؛ لكن كلما اقترب الخبز من الحبة الكاملة، وارتفعت فيه الألياف، وانخفضت فيه المكونات غير الضرورية، وكان استهلاكه متوازنا مع حاجات الجسم ونشاطه، زادت احتمالات أن يكون جزءا نافعا من غذاء صحي.

مواضيع ذات صلة