الديمقراطية و علاقتها بالتنمية : تونس و روابطها الاقليمية و الدولية…..ياسين فرحاتي

الديمقراطية و علاقتها بالتنمية : تونس و روابطها الاقليمية و الدولية…..ياسين فرحاتي

15 جوان 2026، 18:30

يسود اعتقاد لدى بعض السياسيين و الحقوقيين و صناع الرأي العام أن الديمقراطية غاية في حد ذاتها و أنها نهاية المطاف و أن من ينظر إليها بمعزل عن عوامل أخرى مؤثرة مثل التنمية و التطور الاقتصادي كمن رأى نصف الكأس.
ذلك أن أنهما يشكلان تقريبا وجهين لمرآة تنعكس عليهما أهم مشكلات و رهانات الدول و الأمم فهما مثل الملح و السكر في غذاء الإنسان فكل إفراط فيهما دون عقلانية و تحكم في الشهوة و دون رغبة واعية، قد يسببان أمراضا تودي بحياته.
إن الديمقراطية تحتاج إلى دربة و تكتسب بتجارب السنين و الصبر الطويل و يتم تعلمها من خلال الأخطاء المرتكبة فبدل تشويه التجارب السياسية و تشويهها يجب البناء عليها و لنا في دول إفريقيا التي عرفت حروبا أهلية دامية قتل فيها عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من المواطنين خير عبرة و درس لنا و لكل المنادين بها عن سوء نية و جهل مسبق.
أما التنمية فهي مسار متعدد الآفاق و الأبعاد و هي أيضا تحتاج إلى تعليم جيد و استعداد نفسي لتقبله و هو أهم من حيث المطلبية من الديمقراطية بالنسبة إلى الشعوب في نظر فكر طه حسين. ذلك أن التعليم يحتاج إلى قوى دافعة إلى الأمام بينما الديمقراطية لا تفرض بالقوة بل بالإقناع و الحجة و البرهان.
و رغم أنه لا توجد معادلة رياضية تصف علاقة الديمقراطية بالتنمية لكننا قد نتفق على أنهما نتاج للوعي الجماعي و للحس المشترك و هما مفهومان مجردان و من صنع أذهان البشر تلتصق بهما صفة النسبية فلا توجد ديمقراطية في المطلق أو تنمية في المطلق أيضا بل ضمن إطار زمكاني. و من بين المعاني التي قد تفهم في هذا المضمار النظام و التعايش السلمي و الاستقرار و إذا ما بلغ الشيء الحد قد ينقلب إلى الضد.
و كما لا يفهم أيضا أن العلاقة بينهما تناسبية طردية بل في واقع الأمر، قد تكون تناسبية عكسية. و لا بد من الموضوعية و الواقعية لأن الضبابية و اللايقين هما سمتا الحياة السياسية و المحيط الاقتصادي.
إن الديمقراطية لا تعني فقط مهاترات سياسية و منابر إعلامية عددها أكثر من شعر الرأس و سب و قذف و شتائم على العلن أو منابر دينية تنتقد سلوك الحاكم لأقل زلة لسان أو فعل غير مرغوب فيه فتكفر أو تخرج من الملة و نسوا الاستغفار و النصح له لأولي الأمر عامة.
الديمقراطية تحتاج إلى بيئة سليمة لا تسودها الرغبة في الانتقام و مقابلة القوة بالقوة او الخطأ بخطأ مماثل بل يجب التصرف مهما بلغ الخلاف بالتسامح و الصفح و لنا في قصة الإمام أحمد بن حنبل مع حكام عصره خير العبر و أنبل الحكم. هذا لا يعني تبرير العنف أو الدفاع عنه لكن و كما هوبز ” الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ” و لنا في قصة النبي يوسف عليه السلام مع إخوته عبرة لأولي الألباب.
هذا التفلسف في محراب الديمقراطية يكاد ينطبق على الدولة الحديثة لأن الديمقراطية مفهوم كوني غربي المنشأ و التطور برغم محاولة البعض منهم أن يوظفها في سياقات غير منطقية و واضحة و مفهومة بهدف التضليل و الإعماء و تسطيح الأمور و تتحكم فيه منافعه الشخصية و براجماتيته و الميكافيلية التي تبرر الغاية بالوسيلة.
و كما أن تونس جزء من هذا العالم السياسي فينطبق عليها مبدأ ” التأثير المتبادل” و هو مصطلح ماركسي في إطار الجدلية المادية في إطار شبكة من العلاقات الدولية التي تمنعها من العزلة و تتشكل في داخلها علاقات أخرى و هي الأهم في نظري، حيث تمثل مجموعة من القوى التي تبحث عن التوازن الاجتماعي الديناميكي للدولة هي بمثابة جهاز الحصانة أو المضاد الحيوي، في سياق النظرية الاجتماعية المعاصرة. و قد خاضت بلادنا خيارا سياسيا في 25 جويلية 2021، شكل امتدادا لروح اهتزت و اندفعت من أعماق الشعب و رغم بعض سهام النقد التي توجه إليه فلأن كل تغيير يتطلب وقتا كافيا حتى ينضج بعزم الرجال و لو كان هذا الشعب الكريم و كما يدعي معارضوه غير راض عنه بقدر كاف و هو الذي تاق إليه في أطياف و شرائح متعددة و الشعب أذكى من حاكمه كما يقال لهتف ضده من اول ليلة و من اول يوم، لكنه يحتفظ بذاكرة جيدة و يميز و يمارس الصبر و التأني لأنه يعلم جيدا أن “في العجلة الندامة” و أن “روما لم تبن في يوم واحد “. و من الخطأ الكبير المقارنة بين تونس ما قبل الثورة و تونس ما بعدها مباشرة و تونس اليوم لأنه ثمة أمور كثيرة قد تغيرت و التغيير في تغيير و إلى تغيير و الحركة دؤوبة و الأحداث متسارعة و أشخاص يذهبون و آخرون يجيؤون و لا شيء ثابت سوى الوطن و هو الذي يجب أن نحافظ عليه و نحميه برغم كل اختلافاتنا الإيديولوجية. المشكلة في اعتقادي، متجسدة في وجهة نظر ضيقة للبعض تسيطر عليها شيء من الغيرة المفرطة و التحسر على ما فرطته أيديهم ربما لخفة عقل أو لغرور ما أو لاستسهال للمسؤولية و الخطة و الوظيفة في لحظة فارقة من مشوار العمل السياسي لا ترى إلا نفسها هي الأقدر على ملئ ذلك المكان أو المنصب و الحال أن جربت فيه. هذه النرجسية و الأنا الأعلى و التكبر هي أحد أهم الأسباب التي تحدث كوارث في حياة الدول و الأمم.
ثمة تجربة عرفتها الجزائر الشقيقة خلال فترة رئاسة عبد العزيز بوتفليقة الطويلة نسبيا هي سياسة “الوئام المدني” و كانت لها نتائج طيبة جدا مع الإسلاميين و كانت مع صعود نجم المحافظين و غزو العراق سنة 2003 و هي فترة شديدة الاضطراب و التوتر عالميا و ربما في صورة إذا ما ثبت و تأكدنا و تقينا من كلام الرئيس الأمريكي ترمب عن نيته إبرام إتفاق سلام بصفة عنوانها اقتصادي و أمني قد نعرف انفراجا للوضع العام في المنطقة العربية مع كثير من التحفظ و اليقظة و الحيطة لو التفتنا إلى إسرائيل إلا إذا ما شرعت أمريكا فعلا في تطبيق البند الثاني أو المرحلة الثانية بين حركة حماس و الكيان الصهيوني لأن إسرائيل تكون قد اطمئنت نسبيا منما تصوره خطرا دائما عليها. أقول هذا الكلام لأنني على قناعة تامة أن الغرب و خصوصا إسرائيل تنظر إلى وطننا منذ 14 جانفي 2011، و إلى يومنا هذا كسولة قائدة للتغيير في العالم العربي و أن ما لا يتوقع أو الأشد احتمالا قد يأتي منها و في هذا استلهام كبير من التاريخ و رموزه. من ذلك أن فرنسا تنظر إلينا ضمن “مجالها الحيوي” كواحدة من آخر معاقل الفرنكوفونية التي بدأت تتلاشى إفريقيا، و هي الأولى في التعامل معنا تربويا و معرفيا و اقتصاديا، أما أمريكا فهي ترغب سرا و همسا في أن تجعل منا مثل قطر و كأننا ولاية تابعة لها و في البال قاعدة أفريكوم التي طالبوا بها زين العابدين بن علي. لذلك أجد الإسلاميين بتحريض من قطر بين فكي كماشى المعقل القديم بريطانيا و المعقل الجديد قطر و توددهم إلى فرنسا من خلال وسائل الإعلام ك”منظمة مراسلين بلا حدود” و جريدة “لوموند” عن طريق المنصف المرزوقي و أمريكا التي لم تعد موقفها صراحة و ترى فيهم حلقة ضعيفة و بيدقا ليس إلا لأنها لا تريد أن تتوهم ربيعا عربيا آخر خدمته ظروف معينة نتيجة تهرم أغلب تلك الأنظمة التي سقطت و حالة يأس أصابت شعوبها فكان سرعان ما رفضت من أتت صناديق الانتخابات و بالتدريج فتهاوى صرح الإسلاميين جولة بعد جولة و لعل من أحد الأسباب هو ضعف التنمية على مستوى الجهات التي قادت الثورة فوقع تهميشها فلا مصانع و لا شركات بإستثناء مهد الثورة ولاية سيدي بوزيد التي تعترف الغالبية من التونسيين أنها شهدت نقلة نوعية على أكثر من صعيد لأنها تخلصت من كون محمد البوعزيزي رحمه الله هو الذي يجب أن يبقى الرمز الأوحد و الخالد فيها. البوعزيزي دفع الثمن جسدا و لكنه لم يكن الملهم و لا الأب الروحي للثورة شعب بل كانت وفاته دون أن يعلم قد دقت آخر إسفين في نعش حكم التجمع الدستوري الديموقراطي و رسمت بصيصا من الأمل و صورت بلدنا كأيقونة و دولة قادرة على قيادة التغيير برغم كل ما قيل أو يقال أو سيقال عن الأثر الكبير للغرب فيها فمحرك الثورة التونسية المجيدة كانت التنمية العادلة و اليوم و بتعيين مسؤول سام على رأس فريق جديد من أجل مزيد تحريك و تفعيل ملف الأموال المنهوبة و رجال الأعمال الفاسدين و عندما يقدم رئيس الدولة قيس سعيد ضمانات حقيقية و واقعية لهم بتسوية وضعياتهم في إطار من الشفافية و من السلامة و أن يعودوا إلى بلدهم لأنهم مواطنين تونسيون يتمتعون سيمتعون بحقوقهم في صورة الإدلاء و التصريح بما عليهم عند مثواهم أمام لجنة الصلح الجزائي و كلمة الصلح بليغة و ذات دلالة عميقة . فالدولة و الشعب و الرئيس يدعونهم للانضمام في هذا المسار فورا و دون تردد و ما علينا إلا أن ننتظر الأيام و الأسابيع القادمة.

مواضيع ذات صلة