اللغة العربيّة ضحيّة فساد تفشّى في مجتمعنا … بقلم د. محمد الناصر بن عرب
لا أفهم لِحَدِّ الآن ما يجري في وطني… تحدثت وكتبت عن الفساد الذي يتفشى في مجتمعنا من القاعدة إلى القمة وعن أسبابه وكيفية مقاومته. واليوم أريد تفسير ما يحصل حول اللغة العربية من ازدراء واحتقار وتفاخر بعض الفئات الاجتماعية في تونس بالحديث باللغة الفرنسية كأنهم لا ينتمون ثقافيا إلى بلادنا والمؤسف أنهم يتحدثون بلغة فرنسية رديئة.
ورغم تنصيص الدستور التونسي في فصله الأول أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة لتونس يظل استخدام اللغة العربية دون المستوى المطلوب. فاللغة العربية في حالة يرثى لها لما وصلت إليه من تهميش وهتك عرضها والاعتداء عليها وتشويهها وتلويثها كتابة ونطقا في وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والفضاء الافتراضي وفي واجهات المحلات.
ويستمر التعليم الثانوي والعالي في تدريس العلوم باللغة الفرنسية كما يتوجه في بعض الأحيان قائد طائرة الشركة الوطنية للخطوط التونسية للمسافرين باللغة الفرنسية وغالبا ما يتوجه مسئولو الشركات الوطنية الرسمية للمواطنين باللغة الفرنسية.
وفي تونس العاصمة وأغلب المدن التونسية تُكْتَبُ أغلب الواجهات واللافتات الاشهارية للمحلات التجارية بمختلف أنواعها واختصاصاتها باللغة الفرنسية. والأفظع عندما نرى الأولياء يقررون تعليم اللغة الفرنسية لأبنائهم ابتداء من السنة الثالثة من عمرهم؟ ففي هذا الموضوع لِنَكُنْ واضحين مع أنفسنا. فإما نحن دولة ذات سيادة دون تدخل من جهات أو هيئات خارجية وتتمتع هذه الدولة بلغة رسمية لفرض ثقافاتها وهيمنتها وحماية مصالحها والحفاظ على استقلالها وتكون هذه اللغة صفة للشعور الوطني والقومي وركن من أركان الهُوِيَّة يفتخر بها الناطقون بها. وإما نحن دولة دون سيادة تُفْرَضُ علينا لغة أجنبية تمنعنا من إتقان لغتنا الوطنية. فإذا تراجعت اللغة العربية في بلادنا وذُلت فحتما سوف تسيطر عليها اللغة الأجنبية فيقع طمسها من الداخل والخارج بحجة أن اللغة العربية لا تحقق مواكبة التقدم والحداثة…
فهل تعلمون ماذا قال لويس التاسع الفرنسي في الحملة الصليبية السابعة لمَّا وقع أسيرا في المنصورة بمصر في الحرب الصليبية السابعة على الإسلام (1248-1254 ب.م ) “لا يمكن الانتصار على العدو(المسلمين) من خلال الحرب بل من خلال طمس لغتهم ودينهم أوَّلاً ومن ثمَّ إشاعة الفرقة بينهم”.
وهذا ما يقع بالضبط في بلادنا. انحدر مستوى التعليم وأصبحنا لا نفقه اللغة العربية وضعف الوازع الديني فكثر الغش وتفاقمت الرشوة وعم الفساد ولم تستطع المدرسة تعليم الأخلاق الكريمة لكف الأذى وحفظ اللسان وطلاقة الوجه وكيف يتعود الانسان على احترام الغير والقانون والالتزام السلوكي دون اعتبارات العرق أو الدين أو الجنسية. كما تفرق المثقفون إلى شقين: طرف ينادي بالفرنكوفونية والطرف الآخر يدعو إلى الحفاظ على اللغة العربية وترسيخها وتدريس العلوم بواسطتها.
أما في شأن اللغة الفرنسية فدعنا لا نتحدث عن هذا الأمر لأنه رغم استعمال اللغة الفرنسية في الإدارة بصفة عامة وفي تدريس العلوم باللغة الفرنسية فإن مستوى اللغة الفرنسية ضعيف جدا باستثناء فئة ضئيلة من الشعب التونسي التي تتقن اللغة الفرنسية إتقانا جيدا.
والسؤال الوجيه هو: هل أن اللغة العربية هي حقا اللغة الوطنية الرسمية في بلادنا أم أن اللغة الفرنسية لغة رسمية ثانية بالنسبة للدولة فتعتمد الصمت على هذا الموضوع ويستمر الاتصال وتدريس العلوم والتقنية والتكنلوجيا باللغة الفرنسية خلافا على وعد الدولة التونسية لتعريب العلوم؟
فكيف سنحقق التقدم والحداثة ونحن لا نحسن اللغة العربية؟ أما الذين يعتبرون أنه لا مانع لاستعمال اللغة الفرنسية فهل يعلمون أن أغلب التونسيين الذين يفضلون اللغة الفرنسية لا يحسنونها إلا ما قَلَّ ودَلَّ وحسب علماء الألسنية لا يحسن الناس أي لغة أجنبية إلا إذا تمكنوا أَوَّلاً من إتقان لغتهم الوطنية. وأطمئن الجميع بقولي أنه لزاما علينا إتقان اللغات الأجنبية.
أغلب الناس يظنون أنني لا أحب اللغة الفرنسية وأن موقفي في شأن التعريب يُعْتَبَرُ في نظرهم إما تَخَلُّفًا أو نُفُورًا. تخلفا لأنهم يعتبرون أن اللغة العربية متخلفة فلا تستوعب العلوم الحديثة والمعرفة أو نفورا من اللغة الفرنسية لأنني أكرهها!!! لكنني أحتج احتجاجا عنيفا وأقول بصوت عال أنني أنتمي إلى مُحِبِّي اللغة الفرنسية لغة مُليار التي أعشقها والتي أمارسها وأكتبها وأُدَرِّسُ الطب بواسطتها في فرنسا.
فأنا أريد العلى للغتي العربية حتى نعتبرها راية لا نقبل سقوطها فنكتبها ونقرأها وندرس بواسطتها العلوم بشتى أصنافها. وللتذكير ففي فرنسا لا يتحدث الفرنسيون إلا باللغة الفرنسية وإجبارا على كل أجنبي أن يُحْسِن اللغة الفرنسية إذا قرر الإقامة وطلب العلم والشغل بفرنسا. فدفاعي عن اللغة العربية أعتبره واجب وطني لمكانة اللغة في الهُوِيَّة وليس نفورا ضد اللغة الفرنسية أو أي لغة أجنبية إنما ازدواج اللغة العربية واللغة الفرنسية ما هو إلا برنامج واضح للفقر الثقافي الذي نعيشه الآن لأننا أصبحنا قوما لا يقرأ ولا يكتب. أما عن قراءة وفهم أفلاطون أو ابن سينا فحدث ولا حرج لأننا كما ذكرنا لا نتقن اللغة العربية وليس لدينا عدد المفردات اللازمة للتعبير فنعجز عن فهم الفلسفة والعلوم والتكنلوجيا ولا نعرف تسمية مكونات الدراجة أو السيارة أو الحاسوب أو الهاتف الجوال ونجهل تسمية أصابع اليد أو الأسنان لا باللغة العربية ولا باللغة الفرنسية!!! إذَنْ تعليم اللغة العربية واللغة الفرنسية في آن واحد في بلادنا لم يُوَفِّر مفردات التعبير اللازمة للتفكير واستيعاب العلوم لمواكبة الدول المتقدمة خصوصا لمَّا يكون الدور القيادي للغة الفرنسية.
فينبغي على الدولة أن تتدخل لحل أزمة الهُوِيَّة التي ضاعت أركانها الثلاثة في بلادنا: اللغة العربية والوازع الديني والعادات والتقاليد.
إِذَنْ إذا أردنا تحقيق التقدم فلا بد أن يرتقي مستوى تعليم اللغة العربية وهذا ما يراه ابن سينا الفارسي صالحا لذلك بعدما تعلم اللغة العربية: “ينبغي البدء بتعلم القرآن بمجرد تهيؤ الطفل للتلقين جسميا وعقليا وفي الوقت نفسه يتعلم حروف الهجاء ويلقن معالم الدين ثم يروي الصبي الشعر على أن يختار من الشعر ما قيل في فضل الأدب ومدح العلم وذَمِّ الجهل وما حَثَّ على بِرِّ الوالدين واصطلاح المعروف وقِرَى الضيف فإذا فرغ الصبي من حفظ القرآن وألمَّ بأصول اللغة انظر عند ذلك في توجيهه إلى ما يلائم طبيعته واستعداده.”
إن سمو الدولة بسمو لغتها وهذا ما ينبغي علينا أن نصبو إليه.
أما عدم إتقان اللغة العربية لا يوفر الكفاءة للإبداع العلمي وعندما تضيع اللغة تضيع الأمة. ولكل من لا يؤمن في قدرات اللغة العربية يقول الإيطالي كارلو نلينو “إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا”
إن تعزيز اللغة العربية وترسيخ هوية البلاد ليس دعوة للانغلاق والعودة إلى الوراء كما يظن منتقدوها بل هي الوسيلة الناجعة للتعبير والتفكير والابداع العلمي وتحقيق الاستقلال الثقافي. أما احتقارها فلننصت لما قاله مصطفى صادق الرافعي: “ما ذَلَّت لغةُ شعب إلا ذلَّ ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ في ذهابٍ وإدبارٍ ومن هنا يفرِضُ الأجنبيُّ المستعمرُ لغتَه فرضًا على الأمةِ التي يستعمرها، ويَركَبهم بها، ويُشعِرهم عَظَمَته فيها، ويستَلحِقُهُم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاما ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: فحبسُ لغتِهِ سِجنًا مؤبدًا، وأما الثاني فالحكمُ على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأما الثالثُ فتقييدُ مستقبلهم في الأغلالِ التي يصنعُها فأمرهم من بعدِها لأمرِهِ تبعٌ “
وأي محاولة للقضاء على اللغة العربية سينتج القضاء على الهوية وفي هذا الصدد يرى ابن حزم أن ” ما يقيد لغة الأمة علومها، وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وأن اللغة يسقط أكثرها بسقوط أهلها ودخول غيرهم عليهم”.
ونختم بنداء للسيد قيس سعيد رئيس الجمهورية لإنقاذ لغتنا العربية من الرداءة والازدراء حتى تصبح قوية معززة ترفع من شأن شعبنا نتعلم بواسطتها العلوم بشتى فروعها ونواكب التقدم والحداثة.





