المالطيون في صفاقس: قرن ونصف من الحضور المتوسطي الذي ترك بصماته في المدينة بقلم : محمد جمال الشرفي .

المالطيون في صفاقس: قرن ونصف من الحضور المتوسطي الذي ترك بصماته في المدينة بقلم : محمد جمال الشرفي .

12 أوت 2026، 20:45

صفاقس ــ لم يكن الحضور المالطي في صفاقس مجرد موجة هجرة عابرة، بل شكّل، على امتداد قرابة قرن ونصف، أحد الفصول المهمة في تاريخ المدينة الاجتماعي والاقتصادي والعمراني. فمنذ ثلاثينات القرن التاسع عشر بدأت عائلات مالطية بالاستقرار في صفاقس، لتتحول تدريجيا إلى واحدة من أبرز المجموعات الأوروبية في المدينة، قبل أن تتراجع أعدادها بعد الاستقلال سنة 1956، فيما بقيت آثارها حاضرة في الأحياء والأسماء العائلية والذاكرة المحلية.
بدأت الهجرة المالطية نحو شمال إفريقيا خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر نتيجة الانفجار الديموغرافي في الأرخبيل المالطي، وندرة الموارد والأزمات الاقتصادية وتوالي الأوبئة. وبين سنتي 1818 و1832، تشير المعطيات الواردة في المصدر إلى أن ما بين ألف وألفي مالطي كانوا يغادرون جزيرتهم سنويا، وكانت تونس والجزائر من أبرز وجهاتهم بسبب القرب الجغرافي.
وفي صفاقس، بدأ استقرار المالطيين منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، بالتزامن مع تنامي النشاط التجاري للمدينة. وقد ساعدهم قرب اللغة المالطية من العربية الدارجة على الاندماج والتعامل مع السكان المحليين، وهو عامل لم يكن متاحا بالدرجة نفسها للجاليتين الفرنسية والإيطالية.
استقر الوافدون الأوائل داخل المدينة العتيقة، ثم في محيط الأسوار، ولا سيما جهة باب الديوان المطلة على البحر. وكانت غالبية هؤلاء المهاجرين تنتمي إلى الفئات الفقيرة وقليلة التعليم، إذ تجاوزت نسبة الأمية داخل المجموعة 85 في المائة. وعمل أفرادها في مهن مختلفة، من بينها الصيد والملاحة والعربات ونقل الماشية، قبل أن يتجه بعضهم إلى التجارة ويفتح المقاهي والدكاكين ومحلات بيع المواد الغذائية.
ورغم أن مالطا كانت جزيرة ذات نشاط فلاحي مهم، فإن أغلب المالطيين في صفاقس لم يتجهوا إلى الزراعة، بسبب عدم امتلاكهم رأس المال الضروري لاقتناء الأراضي. غير أن بعض العائلات تمكنت في وقت مبكر من تحقيق صعود اجتماعي واقتصادي، ومن بينها عائلات باربارا، بارتولو، داماتو، فاروجيا وجيلي، التي أصبحت تملك عقارات داخل المدينة منذ ستينات القرن التاسع عشر.
وبين سنتي 1841 و1879، بلغ المالطيون نسبة وصلت إلى 77 في المائة من مجموع السكان الكاثوليك في صفاقس، وهو رقم يعكس ثقلهم الديموغرافي داخل المجموعة الأوروبية في المدينة. وفي سنة 1885، كان عدد المالطيين يقارب 900 شخص من أصل 1200 كاثوليكي في صفاقس.
أما على مستوى تونس كلها، فقد بلغ عدد المالطيين في منتصف القرن التاسع عشر نحو 6000 إلى 7000 شخص، أي ما يقارب 60 في المائة من مجموع السكان الأوروبيين في البلاد، مقابل نحو 4000 إيطالي بحسب المعطيات الواردة في الوثيقة.
سنة 1881 شكلت محطة مفصلية في تاريخ هذه الجالية. فمع دخول القوات الفرنسية إلى صفاقس، وجد المالطيون أنفسهم أمام تحول سياسي وهوياتي مهم. ورغم أن وضعهم القانوني كان مرتبطا بالتاج البريطاني، فإن جزءا كبيرا منهم اتجه تدريجيا نحو فرنسا، وساعدت عوامل دينية وثقافية على هذا التحول.
ومع توسع صفاقس في ظل الحماية الفرنسية، ونمو الميناء وربط المدينة بخط السكة الحديدية في اتجاه قفصة، بدأت المدينة تتوسع خارج الأسوار. وفي الجهة المقابلة لباب الديوان، نشأ حي أوروبي جديد أقيم جزء كبير منه على أراض استصلحت من البحر، وأطلق عليه اسم باب البحر. وأصبح الحي أحد أهم مراكز الوجود الأوروبي، ومن ضمنه الوجود المالطي.
وفي سنة 1911، استقر عدد المالطيين في صفاقس عند حدود 1300 شخص، ليظل حضورهم واضحا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
لكن مرحلة جديدة بدأت مع صدور مرسوم 8 نوفمبر 1921، الذي منح الجنسية الفرنسية لفئات من المولودين في الإيالة التونسية وفق شروط محددة، ثم جاء قانون 20 ديسمبر 1923 ليؤكد ويوسع هذا التوجه. واختارت غالبية العائلات المالطية في صفاقس، التي كان بعضها مستقرا في المدينة منذ منتصف القرن التاسع عشر، الجنسية الفرنسية.
أدى ذلك إلى تغير واضح في التركيبة القانونية للجالية. ففي سنة 1936 لم يعد في صفاقس سوى 427 شخصا يحملون الجنسية البريطانية، مقابل 1300 سنة 1911. وفي الوقت نفسه، شهدت بعض العائلات المالطية صعودا اجتماعيا واقتصاديا، فتحولت من المهن البسيطة إلى التجارة وامتلاك الأراضي وممارسة المهن الحرة.
وعشية استقلال تونس سنة 1956، كان عدد الأجانب في البلاد يقارب 250 ألف شخص، بينهم نحو 180 ألف فرنسي و57 ألف إيطالي و6000 مالطي، وفقا للمعطيات الواردة في الوثيقة.
ومع إعلان استقلال تونس في 20 مارس 1956، بدأت مرحلة الرحيل. فقد غادرت أعداد متزايدة من الأوروبيين البلاد، من فرنسيين وإيطاليين ومالطيين، وكانت حركة المغادرة قد بدأت تدريجيا منذ سنة 1954، قبل أن تتسارع بعد الاستقلال.
ثم ساهم تأميم الأراضي الزراعية سنة 1964 في تسريع رحيل العائلات الأوروبية التي كانت لا تزال موجودة في تونس. وفي نهاية سنة 1964، لم يعد عدد المالطيين بين الكاثوليك الممارسين في كامل البلاد يتجاوز 395 شخصا من أصل 7465 ممارسا مسجلا، بعدما كان عددهم قبل عقود يصل إلى عدة آلاف.
وبالنسبة إلى مالطيي صفاقس، اتجهت الغالبية نحو فرنسا، خاصة أن نسبة مهمة منهم كانت قد اكتسبت الجنسية الفرنسية منذ عشرينات القرن العشرين، فيما توجه عدد أقل إلى مالطا. وهكذا انتهى، خلال بضع سنوات، حضور مالطي استمر في صفاقس نحو قرن ونصف.
ورغم انحسار الجالية، فإن آثارها لم تختف من المدينة. ويظل حي باب البحر أحد الشواهد العمرانية على مرحلة التوسع الأوروبي خارج أسوار المدينة العتيقة، كما تظل باب الديوان من أبرز المعالم المرتبطة بذاكرة تلك المرحلة.
غير أن أكثر آثار الحضور المالطي وضوحا ربما تتمثل في أسماء العائلات. فما زالت أسماء مثل باربارا، بارتولو، داماتو، فاروجيا، جيلي، زاميت، فيلا، ميكاليف، فينيش، شويرب، كاكيا، سبيريتي، فيتالي، إلول، بورغ، ديبونو، بريفّا وكاروانا تظهر في الوثائق والأرشيفات والمقابر والسجلات الكنسية، كما توجد بعض هذه الأسماء بين التونسيين اليوم نتيجة اندماج عدد من العائلات المالطية في المجتمع المحلي عبر المصاهرة والتحولات الاجتماعية.
وفي السنوات الأخيرة، عادت ذاكرة الجاليات المتوسطية في صفاقس إلى واجهة البحث التاريخي والثقافي. وأصبح الاهتمام يشمل المالطيين والإيطاليين واليونانيين واليهود والفرنسيين، من خلال أعمال الباحثين والجمعيات المهتمة بالتراث المحلي، إلى جانب اللقاءات والدراسات التي تجمع الباحثين وأحفاد هذه الجاليات والمهتمين بتاريخ المدينة.
إن قصة المالطيين في صفاقس هي في جوهرها قصة تحول اجتماعي طويل. فقد وصلوا في ثلاثينات القرن التاسع عشر في ظروف اتسمت بالفقر والأمية والعمل في المهن البسيطة، ثم تمكنت بعض العائلات من تحقيق الصعود الاقتصادي والاجتماعي، وأصبح المالطيون لفترة طويلة القوة الديموغرافية الأبرز بين الكاثوليك والأوروبيين في المدينة.
وبعد سنة 1921، دخلت الجالية مرحلة جديدة اتسمت بالفرنسة والتغير في الهوية القانونية، قبل أن يؤدي استقلال تونس سنة 1956 إلى بداية النهاية الفعلية لهذا الحضور الجماعي.
واليوم، لم يبق من تلك الجالية إلا شواهد متفرقة، لكنها ذات قيمة تاريخية كبيرة: حي باب البحر، باب الديوان، أسماء العائلات، الوثائق، المقابر والسجلات، وذاكرة محلية بدأت تستعيد هذا الفصل من تاريخ صفاقس المتوسطي.
وهكذا فإن التراث المالطي في صفاقس لا يمثل مجرد ذكرى لجالية غادرت المدينة، بل يشكل جزءا من تاريخ التحولات التي عرفتها صفاقس خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ومن فسيفساء متوسطية ساهمت في تشكيل ملامح المدينة الحديثة.
المصدر: المادة التاريخية الواردة في ملف «التراث المالطي في صفاقس: من 1800 إلى اليوم»، مع الإحالات الواردة فيه إلى الدراسات والمصادر التاريخية.

مواضيع ذات صلة