المخدرات في تونس…..بقلم : محمد جمال الشرفي.
لا تُعدّ ظاهرة الإدمان على المخدرات في تونس عجيبة ولا غريبة، وهذا الوصف نفسه جزء من المشكلة. ما يُسمّى غريبًا يُنتظر أن يزول من تلقاء نفسه أو أن يفسّره لغز خفي. أما الواقع فهو أن للظاهرة أسبابًا معروفة وآليات واضحة، وهي مرتبطة بتحولات اجتماعية واقتصادية وبضعف السياسات العمومية أكثر من ارتباطها بأي سر. تسمية الظاهرة بالغريبة تعفي الجميع من المحاسبة.
أما الأسباب، فأولها العرض. تقع تونس على طريق عبور في المتوسط وبين جارين مضطربين أمنيًا، وهو ما يسهّل دخول القنب والأقراص المخدرة والمواد الصلبة. ثم الطلب: بطالة الشباب، وانسداد الأفق، وانهيار الثقة في المستقبل، كلها تدفع شريحة واسعة إلى الهروب. وتنتشر المواد الرخيصة مثل الأقراص المهلوسة لأن ثمنها في متناول المراهق. ويضاف إلى ذلك التفكك الأسري، والانقطاع المبكر عن الدراسة، وغياب فضاءات الرياضة والثقافة في الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية، وهي فضاءات كان يمكن أن تملأ فراغ الشباب بدل أن يملأه المروّجون.
وأما السؤال عمّن يقف وراء الظاهرة، فالأمانة تقتضي رفض الجواب المريح. لا توجد جهة واحدة خفية تدير كل شيء. هناك شبكات تهريب إقليمية، وتجار يعملون في الأحياء، ومروّجون صغار يكونون أحيانًا مدمنين أنفسهم، وفساد محدود في بعض الحلقات يسهّل الإفلات من العقاب. وهناك أيضًا مسؤولية غير مباشرة تتحملها سياسات أهملت الشباب سنوات طويلة. التفسير القائم على المؤامرة يريح صاحبه لأنه يوجّه الغضب نحو عدو مجهول، لكنه يصرف الانتباه عن الإصلاحات الممكنة والمتاحة.
وفيما يخص المسؤولية، فالعائلة ليست المسؤولة الوحيدة، وتحميلها كل شيء ظلم وتبسيط. العائلة خط الدفاع الأول فعلًا، ومراقبتها وحوارها مع أبنائها وانتباهها لتغير سلوكهم عوامل حاسمة. لكن أسرة تكافح من أجل لقمة العيش لا تستطيع وحدها مواجهة شبكة تروّج أمام باب المدرسة. وتتحمل الدولة جزءًا كبيرًا من العبء في أربعة مجالات. الأول هو الأمن والحدود وتفكيك الشبكات، مع التركيز على كبار المهرّبين لا على المستهلكين. الثاني هو القانون: القانون عدد 52 لسنة 1992 يعاقب على الاستهلاك بالسجن، وكثيرون يرون أنه يدفع المدمن إلى الاختباء بدل العلاج ويملأ السجون بمستهلكين صغار، وقد خُفّفت بعض أحكامه في 2017 لكن النقاش حول جدوى سجن المستهلك لم يُحسم. الثالث هو الصحة: مراكز علاج الإدمان قليلة ومتمركزة في العاصمة تقريبًا، ومن يريد العلاج في الداخل يجد الأبواب مغلقة. الرابع هو التعليم: المدرسة تدرّس المواد ولا تكاد تؤدي دورًا وقائيًا حقيقيًا، فلا مرشدين نفسيين كافين، ولا برامج توعية منتظمة، ولا مراقبة جدية لمحيط المؤسسات التربوية.
أما الحل، فيجب أن يقوم على ثلاثة محاور متزامنة، لأن أي محور وحده لا يكفي. المحور الأول هو الوقاية: دعم المدرسة بمختصين نفسيين واجتماعيين، وتوسيع الأنشطة الرياضية والثقافية في الأحياء الهشة، وتوعية صريحة بعيدة عن الوعظ الذي يفقد تأثيره بسرعة عند المراهقين. والمحور الثاني هو العلاج: معاملة المدمن كمريض يحتاج إلى رعاية لا كمجرم فقط، مع مراكز موزعة على الجهات وبرامج لإعادة الإدماج بعد العلاج، لأن الانتكاس يحدث غالبًا حين يعود الشاب إلى الظروف نفسها. والمحور الثالث هو الردع الموجَّه نحو المروّجين الكبار والشبكات المنظمة، لا نحو ضحايا الإدمان.
ويبقى تحفظ ضروري: لا يمكن الحكم على حجم الظاهرة بدقة دون معطيات رسمية حديثة وموثوقة، والأرقام المتداولة في وسائل الإعلام والمنصات متفاوتة وبعضها مبالغ فيه. التقدير الجاد يتطلب دراسات وطنية دورية، وغيابها دليل آخر على ضعف الاهتمام. في النهاية، المشكلة لن تُحل بالصدمة والشعارات ولا بتبادل الاتهامات بين الأسرة والدولة والمدرسة. هي تُحل حين يتحمل كل طرف نصيبه الفعلي من المسؤولية، وحين تُترجم هذه المسؤولية إلى ميزانيات وقوانين ومؤسسات قادرة على الوصول إلى الشاب قبل أن يصل إليه المروّج.




