النافذة انفتحت من جديد …أ.د الصادق شعبان
من الواضح أن المقترح الباكستاني الذي أثير صباح هذا اليوم 7 افريل – سويعات قبل الساعة الصفر( منتصف الليل ) لم يكن مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل جاء نتيجة طلب أمريكي وقبول إيراني، بما يعكس تقاطعاً استراتيجياً بين الطرفين للخروج من دائرة التصعيد دون خسارة سياسية معلنة…
فهو في جوهره مخرج مشرّف يسمح بإعادة التموقع بدل الاستمرار في المواجهة…
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق هدنة مؤقتة، بل في تفادي بقاءها مجرد استراحة هشة ضمن سلسلة طويلة من الأزمات…
المرحلة الراهنة تتطلب انتقالا واضحا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق حلّها… إذ لا يمكن بناء الاستقرار على وقف إطلاق نار مؤقت، بل على تسوية مستدامة تتيح لكل الأطراف تحقيق قدر من المكاسب الاستراتيجية…
في هذا السياق قد يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه في وضع سياسي واستراتيجي ضيّق… فبينما قد يخدم التصعيد حسابات داخلية قصيرة الأمد، فإنه يتعارض مع المصلحة العميقة لإسرائيل، التي تكمن في تسوية إقليمية شاملة تضمن الأمن والاستقرار على المدى الطويل…
لقد كانت دول الخليج العربي من أكثر الأطراف تضرراً من حالة عدم الاستقرار ومن اختلال التوازنات العسكرية الكبرى ، بحكم موقعها الحيوي وارتباطها المباشر بأمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة… ودورها اليوم مدعو ليتجاوز ردّ الفعل إلى الفعل، وأن تتحول إلى طرف محوري في صياغة مسار سلام دائم، مستفيدة من ثقلها الاقتصادي والسياسي…
إن اللحظة الراهنة تفرض صياغة خطة سلام إقليمية شاملة، تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، لتشمل معالجة القضايا الجوهرية، وعلى رأسها:
- تأمين الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية
- رفع العقوبات وإعادة إدماج إيران في الاقتصاد الدولي
- معالجة الأصول المجمدة وآليات التعويض
- إطلاق برامج إعادة الإعمار في مناطق النزاع…
وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، يكتسب هذا المسار بعداً مؤسساتياً حاسماً… فمع اقتراب انتهاء مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في ” قانون صلاحيات الحرب ” War Powers Resolution 1973 ، ( بدء العمليات العسكرية في 28 فيفري ، و سقف الستين يوم يكون 29 افريل ) يصبح الكونغرس لاعبا مركزيا في تحديد المسار المقبل … ولا يقتصر دوره على مسألة الحرب أو سحب القوات، بل يمتد إلى مراجعة منظومة العقوبات، وهو ما قد يحوّل التشريع من أداة ضغط إلى أداة تسوية…
و هنا يجب ان يظهر ترامب هو صانع الحرب و السلام و إلاّ يكون حجر عثرة لاعتبارات شخصية و انتخابية …
ومن جهة اخرى ، لا يمكن تصور أي إعادة ترتيب إقليمي دون إدماج لبنان، الذي دفع ثمنا باهظا لتعقيدات الصراعات وسياسة إسرائيل… فاستقراره يشكل جزءا لا يتجزأ من استقرار المنطقة ككل…
ويبقى التحدي الأكبر هو ذلك التراجع الملحوظ لمكانة القضية الفلسطينية فيما يحري ، في حين انها تمثل جوهر الصراع في الشرق الأوسط ، وأي محاولة لبناء نظام إقليمي جديد دون معالجة هذه القضية محكوم عليها بالهشاشة، لأن تجاهل أصل المشكلة لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدا …
رأيي هو ان نعتبر وقف الحرب الحالي ليس مجرد استراحة محارب، بل لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة : فإما أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو خطة للتسويات المتوازنة، أو أن تضيع كفرصة إضافية في سجل الفرص الضائعة…
النافذة الان مفتوحة… لكنها لن تبقى كذلك طويلا اذا لم تقدر كل الأطراف أهميتها…




