تتويج جديد لعاصمة الجنوب: صفاقس عاصمة التهميش والإهمال سنة 2026
ليست صفاقس مجرد مدينة تونسية كبرى، وليست مجرد قطب اقتصادي يساهم في الإنتاج والتصدير والتشغيل، بل هي مرآة لتناقض عميق بين ما تقدّمه الجهات للدولة وما يعود عليها من تنمية وخدمات وفرص. فحين تتحوّل مدينة بحجم صفاقس إلى عنوان متكرّر للاحتجاجات على النقل، وتدهور البنية التحتية، وأزمات الفلاحة والصناعة، وتفاقم الصعوبات الاجتماعية والبيئية، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لجهة تساهم في تحريك الاقتصاد الوطني أن تظلّ قطاعات واسعة من حياتها اليومية أسيرة الاختلالات والتأجيل والوعود؟
إنّ الحديث عن صفاقس سنة 2026 لا ينبغي أن يكون مجرّد خطاب عاطفي أو محاولة لتسجيل النقاط السياسية، بل يجب أن يكون مواجهة صريحة مع واقع التنمية وتوزيع الثروة والعدالة بين الجهات. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود نقائص، لأنّ النقائص موجودة في مختلف المدن، وإنما في استمرار الاختلالات، وفي الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية للجهة وجودة الخدمات التي يتمتّع بها المواطن، وفي مدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الثروة المنتجة إلى تنمية ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.
إنّ أول اختبار حقيقي لجدّية التنمية في صفاقس يبدأ من النقل. فالمواطن الذي ينتظر الحافلة، والعامل الذي يتنقّل يومياً إلى مصنعه، والطالب الذي يسابق الزمن للوصول إلى جامعته، والموظف الذي يستهلك ساعات من يومه بسبب الاختناق المروري، كلّهم يدفعون ثمن منظومة لا تستجيب دائماً لحاجياتهم. وحين يتراجع انتظام النقل العمومي وتبقى مشاريع كبرى، مثل المترو الخفيف، في دائرة الدراسات والبرمجة، فإنّ المسألة تتجاوز الراحة اليومية لتصبح قضية إنتاجية وكرامة اجتماعية وتكافؤ في الفرص. وقد عادت هذه الملفات إلى الواجهة خلال سنة 2026، بالتوازي مع برامج معلنة لتطوير أسطول الحافلات وتحسين الخطوط. لكن الإعلان عن البرامج لا يكفي؛ فالمعيار الحقيقي هو عدد الحافلات الجاهزة فعلياً، وانتظام السفرات، واتساع التغطية، ومدى شعور المواطن بتحسّن ملموس في حياته اليومية.
أما البنية التحتية، فهي عنوان آخر للفجوة بين مكانة صفاقس الاقتصادية وحاجاتها التنموية. فالطرقات المتعبة، ومشكلات تصريف مياه الأمطار، وضغط حركة المرور، والتفاوت بين مركز الولاية ومعتمدياتها، كلها مسائل لا يمكن اختزالها في مجرد أشغال صيانة متفرقة. إنّ التنمية الحقيقية تقتضي رؤية متكاملة تربط المدينة بمحيطها، وتربط المعتمديات الداخلية بمراكز الإنتاج والخدمات، وتضمن وصول المواطنين إلى المدارس والمستشفيات والإدارات والأسواق دون أن تتحول المسافة أو رداءة الطريق إلى عبء إضافي على حياتهم. ولا يمكن الحديث عن عدالة بين الجهات بينما تختلف جودة الخدمات الأساسية داخل الولاية الواحدة نفسها.
ولعلّ مشروع تبرورة يختصر جانباً مهماً من هذه المفارقة. فمنذ سنوات، ارتبط المشروع بآمال كبيرة في استصلاح المجال الساحلي وتطوير الواجهة البحرية وإحداث ديناميكية عمرانية واقتصادية جديدة. غير أنّ الانتقال من إزالة التلوث إلى استكمال التهيئة واستقطاب الاستثمار ظلّ مساراً يحتاج إلى قرارات واضحة وتمويل محدّد وجدول زمني قابل للمحاسبة. وخلال سنة 2026، أُعلن عن تقدم في الدراسات واتصالات بشأن استكمال المشروع، لكنّ السؤال الذي ينتظر المواطن إجابته ليس متى تنتهي الاجتماعات، بل متى تبدأ النتائج الفعلية في الظهور على الأرض؟ فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بعدد التصريحات التي ترافقها، وإنما بقدرتها على تغيير واقع المدينة وخلق فرص العمل وتحسين البيئة وجودة الحياة.
وفي القطاع الفلاحي، تبدو المفارقة أكثر إيلاماً. فولاية صفاقس تمتلك خبرة طويلة في إنتاج الزيتون وزيت الزيتون، إلى جانب تربية الماشية والدواجن وأنشطة فلاحية أخرى، فضلاً عن الصيد البحري. ومع ذلك، لا يكفي امتلاك الأرض والخبرة والمنتوج لضمان مردودية عادلة للفلاح والمنتج الصغير. فارتفاع كلفة الإنتاج، وتقلبات الأسعار، وصعوبات التمويل والتسويق، والحاجة إلى تطوير الري والتخزين والتحويل الصناعي، كلها عوامل يمكن أن تضعف دخل المنتج وتقلّص قدرته على الاستثمار. كما أنّ الصيد البحري يواجه بدوره تحديات تتصل بالتجهيزات وكلفة التشغيل والبنية التحتية للموانئ.
إنّ المطلوب ليس الاكتفاء بالتغنّي بمكانة صفاقس في إنتاج الزيتون أو غيره، بل بناء سياسة متكاملة تمنح المنتج قيمة مضافة أكبر، وتدعم الصناعات التحويلية، وتطوّر سلاسل التبريد والتخزين والتصدير، وتحمي الموارد الطبيعية من الاستنزاف. فالفلاح الذي يتحمل المخاطر وكلفة الإنتاج لا ينبغي أن يبقى الحلقة الأضعف في سلسلة اقتصادية يستفيد منها الوسطاء والمحوّلون والموزعون بدرجات متفاوتة. وإذا كانت صفاقس تنتج الثروة، فإنّ من حقّ أبنائها أن يسألوا عن نصيبهم من القيمة المضافة وعن مدى انعكاس هذه الثروة على التشغيل والدخل والاستقرار الاجتماعي.
أما الصناعة، التي مثّلت لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الصفاقسي، فهي بدورها أمام اختبار صعب. فالنسيج الصناعي لا يستطيع الحفاظ على قدرته التنافسية في غياب مناطق صناعية مهيأة، ونقل فعّال، وطاقة وخدمات مستقرة، وتكوين مهني يتلاءم مع حاجيات المؤسسات. كما أنّ الاستثمار يحتاج إلى وضوح الإجراءات وسرعة معالجة الملفات وتوفير بيئة عمرانية وبيئية ملائمة. ولا يجوز أن تتحول قوة صفاقس الصناعية إلى مبرّر لتحميلها أعباء الإنتاج والتلوث والضغط على الخدمات دون أن تقابل ذلك سياسة جادة لتجديد البنية التحتية وتحسين ظروف العمل والحياة.
والأهم من ذلك أنّ التنمية الصناعية لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو عدد المؤسسات، بل كذلك بنوعية مواطن الشغل التي توفرها، واستقرارها، وأجورها، وقدرتها على استيعاب الشباب وأصحاب الشهادات. فحين يتخرج الشاب ولا يجد فرصة تتناسب مع تكوينه، أو يضطر إلى مغادرة جهته بحثاً عن العمل، فإنّ المشكلة لا تكون في نقص الطاقات البشرية، وإنما في عجز المنظومة الاقتصادية عن استثمارها. لذلك، فإنّ مستقبل الصناعة في صفاقس يرتبط بقدرتها على الانتقال من مجرد الإنتاج إلى الابتكار والتكنولوجيا والتكوين المستمر وتحسين القيمة المضافة.
ولا يمكن تناول واقع صفاقس دون الوقوف عند الملف البيئي، الذي يتقاطع فيه الحق في الصحة مع مستقبل الاستثمار والسياحة وجودة الحياة. فالتلوث الصناعي ومشكلات التصرف في النفايات وتدهور أجزاء من المجال الساحلي ليست قضايا ثانوية يمكن تأجيلها إلى حين توفر الاعتمادات. إنّ البيئة السليمة جزء من البنية الأساسية، مثلها مثل الطريق والمستشفى والمدرسة. وكلّ تأخير في معالجة مصادر التلوث يراكم كلفة اقتصادية واجتماعية وصحية، ويضعف قدرة المدينة على استقطاب أنشطة جديدة تحتاج إلى محيط نظيف ومستقر.
إنّ معالجة هذا الملف تستوجب شفافية في نشر نتائج القياسات البيئية، وتحديد المسؤوليات، وتطبيق القانون، ووضع آجال واضحة للتدخلات، مع إخضاع المشاريع الصناعية والبيئية للمتابعة والمساءلة. فلا يمكن مطالبة المواطن بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أيضاً تقديم حلول ظرفية على أنها معالجة نهائية. المطلوب سياسة بيئية قابلة للقياس، يعرف الناس من خلالها ما أُنجز، وما بقي، ومن يتحمل مسؤولية التأخير.
وفي قلب هذه الملفات جميعاً يوجد الوضع الاجتماعي. فارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على عمل مستقر، وتفاوت الخدمات الصحية والتعليمية، وضغط السكن والنقل، كلها عوامل تجعل المواطن يشعر بأنّ النمو الاقتصادي لا ينعكس بالقدر الكافي على حياته. وقد تكون المؤشرات الاقتصادية مهمة، لكنها لا تعوّض التجربة اليومية للإنسان الذي يجد نفسه عاجزاً عن تلبية حاجيات أسرته أو تأمين مستقبل أبنائه. فالتنمية التي لا يشعر بها المواطن في دخله وخدماته وفرصه تظلّ تنمية ناقصة، مهما بدت الأرقام إيجابية على الورق.
ومن هنا تبرز ضرورة عدم حصر التنمية في وسط مدينة صفاقس أو في المناطق الأكثر نشاطاً اقتصادياً. فالمعتمديات الداخلية والقرى والتجمعات السكنية البعيدة تحتاج بدورها إلى الاستثمار والمرافق الصحية والتعليمية والطرقات والماء الصالح للشراب وفرص العمل. إنّ التفاوت داخل الولاية نفسها يكشف أنّ المسألة ليست فقط علاقة صفاقس بالعاصمة، بل أيضاً علاقة مركز الولاية بأطرافها. ولا يمكن تحقيق توازن جهوي حقيقي إذا ظلّت بعض المناطق أقرب إلى الخدمات والفرص من غيرها بسبب موقعها أو ضعف الاستثمار فيها.
أما ملف المهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، فيحتاج إلى معالجة عقلانية لا تختزل تعقيدات الواقع في خطاب التخويف أو الاتهام الجماعي. فقد تحولت صفاقس، بحكم موقعها الساحلي، إلى إحدى النقاط البارزة في النقاش التونسي حول الهجرة غير النظامية، وما يرتبط بها من ضغوط اجتماعية وأمنية وإنسانية. ومن الضروري الاعتراف بأنّ المخاوف المتعلقة بالأمن والسكن والخدمات والتنافس على فرص العمل تستحق النقاش والمعالجة، لكنّ تحويل المهاجرين جميعاً إلى مسؤولين عن أزمات المدينة لا يقدم حلاً، بل يصرف الانتباه عن السياسات التي ينبغي أن تنظّم الوضع وتحمي السكان والمهاجرين معاً.
إنّ الدولة مطالبة بتطبيق القانون، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب والاستغلال، وتنظيم الإقامة والعمل وفق التشريعات المعمول بها، وحماية الحدود، والتنسيق مع الشركاء المعنيين، مع ضمان الكرامة الإنسانية ومنع الاعتداءات الجماعية والتمييز. كما أنّ معالجة آثار الهجرة في صفاقس لا يمكن فصلها عن مسؤولية الدولة في توفير الخدمات الأساسية ودعم البلديات والمناطق التي تتحمل ضغوطاً إضافية. فالأمن والتنمية وحقوق الإنسان ليست قضايا متناقضة، بل عناصر مترابطة في أي سياسة ناجعة.
لكن، إذا كان من السهل توجيه اللوم إلى الحكومات المتعاقبة، فإنّ التحليل الجاد يقتضي أيضاً مساءلة آليات اتخاذ القرار والتمثيل الجهوي ومتابعة المشاريع. فأين تكمن نقاط التعطيل؟ هل هي في نقص التمويل، أم في تعقيد الإجراءات، أم في ضعف التنسيق بين الوزارات، أم في غياب الاستمرارية بين البرامج الحكومية؟ وهل تُنشر بانتظام بيانات تسمح للمواطن بمعرفة الاعتمادات المرصودة والمبالغ المصروفة ونسب الإنجاز؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتأخر مشروع بعد تحديد موعد لإنجازه؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة أدقّ وأنفع من الاكتفاء بشعارات عامة عن التهميش.
كما أنّ الدفاع عن حق صفاقس في التنمية لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين الجهات التونسية. فالمشكلة ليست في أن تتقدم جهة على حساب أخرى، بل في أن تكون التنمية الوطنية متوازنة، وأن يحصل كل إقليم على نصيبه العادل وفق حاجاته وإمكاناته وأولوياته. فصفاقس لا تحتاج إلى امتيازات استثنائية بقدر ما تحتاج إلى سياسات واضحة ومنصفة، وإلى تحويل وزنها الاقتصادي والديمغرافي إلى خدمات ومشاريع وفرص عمل تتناسب مع حاجيات سكانها.
إنّ عبارة «صفاقس عاصمة التهميش والإهمال» تحمل شحنة احتجاجية قوية، لكنها تصبح أكثر تأثيراً عندما تتحول إلى سؤال محدد عن النتائج والمسؤوليات. فليس كل مشروع متأخر دليلاً وحده على تعمد الإهمال، وليس كل إعلان عن مشروع دليلاً على نجاح السياسة التنموية. الفيصل هو ما تثبته المعطيات: آجال الإنجاز، وحجم الاستثمار المنفذ، وتحسن الخدمات، وعدد فرص العمل المستحدثة، وتراجع التلوث، وتقليص الفوارق بين المعتمديات. بهذه المعايير يمكن تحويل الغضب المشروع إلى مساءلة عامة يصعب الالتفاف عليها.
صفاقس لا تطلب المستحيل. إنها تطلب نقلاً يحترم وقت المواطن، وطرقات آمنة، وبنية تحتية تستجيب لحاجيات السكان والمؤسسات، وبيئة لا تهدد صحتهم، وفلاحة تحفظ كرامة المنتج، وصناعة تخلق عملاً مستقراً، وخدمات اجتماعية تضمن الحد الأدنى من العدالة. وتطلب قبل كل شيء أن تكون الوعود قابلة للقياس، وأن تكون المشاريع مرتبطة بآجال ومسؤوليات واضحة، وأن يعرف المواطن ما الذي تحقق فعلاً وما الذي بقي حبراً على ورق.
وفي سنة 2026، لم يعد كافياً أن يُقال إنّ صفاقس قطب اقتصادي مهم، لأنّ هذه المكانة لا ينبغي أن تكون مجرد وصف في التقارير الرسمية، بل التزاماً عملياً بتحسين ظروف العيش والاستثمار والعمل. فالمواطن لا يعيش على التصنيفات، ولا يتنقل بواسطة
محمد جمال الشرفي.




