تونس : الانتخابات ليست الحل. بقلم أحمد الحباسى كاتب وناشط سياسي
يريد الرئيس قيس سعيد أن يقنعنا بأن خلاص البلاد و العباد يكمن في التخلص من الدستور و صياغة دستور جديد بعد إجراء انتخابات لا يتجاوز سقفها الزمن موفى سنة 2022 ، هذا في النظري لكن من المؤكد أنه على مستوى التطبيق الأمر ليس متاحا و ليس بالسهولة التي يظنها السيد الرئيس ، أى نعم هذا الدستور مفخخ و يحمل في طياته مطبّات و هنات كثيرة تجعله لا يصلح لا للسوق و لا للصندوق كما يقال و لكن من يريد تغيير الدستور و خاصة إذا كان رئيس الدولة قد أقسم على حماية الدستور الذي تم على أساسه انتخابه فعليه أن يبحث عن الإجماع للقيام بعملية البحث عن كتابة دستور جديد كما يجب عليه أن يسعى إلى بلورة خطاب سياسي جامع يتضمن بمنتهى الشفافية و الوضوح كافة النقاط الجوهرية التي يراها موجبة للزوال أو التعديل.
يسعى رئيس الدولة كما جاء بتصريحه إلى إجراء استفتاء عاجل و انتخابات لاحقة و لحدّ الآن لا تزال مسودة هذا الاستفتاء غير معلومة و غير متاحة للاطلاع عليها حتى من الأحزاب و السياسيين و أقلام صناعة الرأي. لكن من واجبنا أن نلقى السؤال القائل عن أي انتخابات يتحدث السيد الرئيس و من هي الهيئة المستقلة التي ستشرف عليها و هل أن إجراء هذه الانتخابات سيكون بداية الحل لمشاكل البلاد المستعصية خاصة أن إخراج قانون المالية قد كان إخراجا سيئا بحيث تبرأ منه الرئيس و حصل إيحاء لدى المتابعين بأن هذا القانون المنتظر قد ولد من سفاح و لن يمر دون إثارة زوابع شعبية و سياسية تتزامن مع شهر جانفى الموعد الدائم للاضطرابات الاجتماعية منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة إلى الآن .
لا أحد سوى الرئيس و بعض المقربين القلائل منه يرون أن الانتخابات المعلنة هي الحل السحري لمشاكل البلاد المستعصية لان الانتخابات هي مجرد وسيلة و ليست غاية و ما نسمعه من الرئيس من رسم صورة وردية عنها يجعل المواطن يشعر أنها الهدف المنشود و من بعد إجراءها ستتحول تونس إلى سويسرا البحر الأبيض المتوسط . لعل العسر الشديد الذي تعانيه حكومة تصريف الأعمال في جلب التمويل و الاستثمار الأجنبي هو المعضلة الأساسية في الوقت الراهن لان تونس قد خرجت بعد سنوات حكم النهضة على حافة الإفلاس و بمؤشرات نزلت تحت الصفر في سابقة خطيرة جعلت الدول المانحة تفكر كثيرا في إنقاذ دولة لم تعد تشكل في نظرها سوى عبء اقتصادي ثقيل يضاف إلى ذلك مشاكل اجتماعية و اقتصادية بالجملة ناجمة عن غلاء المعيشة و ارتفاع الاسعار بشكل غير مسبوق منذ الاستقلال .
لا شك أن تنظيم و إجراء الانتخابات يتطلب توفير و تخصيص مئات الملايين في وقت تعانى خزينة الدولة من حالة عجز تام عن الدفع خاصة بعد انعكاس أزمة الكورونا و لا شك أن جميع الأحزاب لا ترى سببا لعجلة الرئيس خاصة بعدما تمت الإطاحة بحركة النهضة و برئيس مجلس النواب و تجميد النواب . بطبيعة الحال لا يرى البعض في عجلة و استعجال الرئيس إلا محاولة مكشوفة بحيث سيجعل من نتيجة الانتخابات و من تحوير الدستور على ” مقاسه الدستوري ” كشكولا يزيد في صلاحياته و يمدد فيها تماما كما فعلت حركة النهضة طيلة سنوات حكمها الفاشل . أيضا لا يجزم المتابعون أن نتائج الانتخابات ستؤدى إلى الاستقرار و تنهى حالة الصراع السياسية المتأججة بين كل الفرقاء السياسيين بل هناك من يجمع أنه في ظل تدفق المال الأجنبي المشبوه فان الحملات الانتخابية لن تخلو من حالات التزوير و التدليس و ظهور حالات انتخابية مثيرة مثل إقصاء بعض المرشحين المغضوب عليهم من الرئاسة و ثبوت تصويت الموتى و رواج عملية بيع الأصوات مقابل المال .
لا ندرى حقيقة لماذا يسعى الرئيس لإتمام ما سطره بمفرده قبل موعد انتهاء عهدته الرئاسية بل من حقنا أن نجاهر باتهامه علنا بالتفريط في المال العام و باعتماد أولويات خاطئة دون سابق تبصر أو مشورة كل ذلك ليضمن انتخابه كرئيس مقبل بصلاحيات واسعة تتيح له ربما استنساخ تجربة الرئيس الراحل زين العابدين بن على فى تمديد ولايته الرئاسية مرات متعددة بعد تحوير الدستور على المقاس. دعونا نجاهر أيضا بالسؤال فيما هل سترضى الأطراف الخاسرة بنتائج الانتخابات و هل هناك ما يضمن حقا أن تسير البلاد نحو الاستقرار بدل الفوضى في ظل تدفق الأموال الأجنبية المشبوهة و في نهاية الأمر دعونا نتساءل هل ستأتي نتائج الانتخابات بالحصاد المأمول للرئيس أم ستكون نكسة انتخابية مدوية تخرجه من الباب الصغير .





