تونس: بلد فقير الموارد أم بلد غني غير مستغل؟ بقلم : محمد جمال الشرفي.
يطرح هذا الموضوع سؤالاً استفزازياً: “تونس: بلد فقير؟” ويكمن وراء هذا السؤال نقاش أوسع بكثير حول النموذج الاقتصادي التونسي، وإدارة مواردها الطبيعية، واعتمادها المالي الخارجي، وعجز الدولة عن تحويل بعض ثرواتها المحتملة إلى تنمية اقتصادية حقيقية.
من الواضح أن تونس ليست دولة تُقارن بالدول النفطية أو التعدينية الكبرى في القارة الأفريقية. فمواردها الطبيعية محدودة مقارنةً بالجزائر وليبيا وبعض دول أفريقيا جنوب الصحراء. لكن اختزال وضعها إلى مجرد نقص في الموارد الطبيعية سيكون خطأً. تكمن المشكلة الحقيقية في القدرة على استغلال الموارد المتاحة وتطويرها وتحويلها إلى ثروة مستدامة.
يركز هذا الموضوع، من بين أمور أخرى، على إمكانات تونس التعدينية والفوسفات. وتُعد حالة منطقة صدرة ورتان مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فقد حظيت هذه المنطقة الواقعة شمال غرب تونس بأهمية استراتيجية طويلة الأمد في النقاشات المتعلقة بمستقبل التعدين في البلاد، ويُنظر إلى إمكاناتها باستمرار على أنها كبيرة. لكن ثمة فجوة شاسعة بين وجود مورد جيولوجي وتحويله إلى ثروة اقتصادية.
لا يُولّد المنجم الازدهار تلقائيًا، بل يتطلب استثمارًا، وبنية تحتية، وتكنولوجيا مناسبة، واستراتيجية صناعية، ولوجستيات فعّالة، وقوى عاملة ماهرة، وقبل كل شيء، رؤية طويلة الأمد. وبدون هذه السلسلة القيّمة، يبقى المورد الطبيعي مجرد أصل كامن.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى المفارقات الرئيسية في تونس.
لعقود طويلة، امتلكت تونس قطاعًا هامًا للفوسفات، لا سيما حول قفصة. وكان الفوسفات مصدرًا رئيسيًا للدخل، وفرص العمل، والعملات الأجنبية. إلا أن الصعوبات الهيكلية التي واجهها القطاع قلّصت تدريجيًا قدرته على أداء دوره كمحرك اقتصادي كما كان يُمكنه الاستمرار.
لذا، فإن السؤال ليس ببساطة: كم طنًا من الفوسفات تمتلك تونس؟ بل السؤال الجوهري هو: ما مقدار القيمة المضافة التي يُمكن لتونس أن تُحققها من هذا الفوسفات؟
هذا تمييز حاسم.
إن تصدير المواد الخام أقل ربحية بكثير من تطوير صناعة متكاملة حقيقية حولها. يمكن للمعالجة الكيميائية، وإنتاج الأسمدة، والبحوث التكنولوجية، والصناعات المشتقة، وتصدير المنتجات ذات القيمة المضافة العالية أن تضاعف الفوائد الاقتصادية لمورد واحد.
كما يثير هذا الموضوع تساؤلات حول المعادن الحيوية وغيرها من الموارد الموجودة في بعض مناطق التعدين التونسية. ويستحق هذا السؤال اهتمامًا خاصًا في السياق الدولي الراهن. فالتحول العالمي في مجال الطاقة يُحوّل تدريجيًا بعض المعادن إلى موارد استراتيجية. ويُعدّ الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، والعديد من المواد الخام الأخرى، الآن في صميم المنافسة الصناعية العالمية.
ولكن هنا أيضًا، يجب علينا تجنب التسرع في استخلاص النتائج.
إن وجود معدن حيوي محتمل لا يعني بالضرورة أن تونس تمتلك ثروة جديدة تُقدّر بمئات المليارات. من الضروري التمييز بين الاحتياطيات الجيولوجية المفترضة، والموارد القابلة للاستغلال تقنيًا، والاحتياطيات ذات الجدوى الاقتصادية، وقيمتها التجارية الفعلية القابلة للاستخراج.
هذا التمييز ضروري لمنع تحوّل الحديث عن “الثروات الخفية” إلى خرافة اقتصادية.
وينطبق المنطق نفسه على الهيدروكربونات.
تمتلك تونس النفط والغاز، لكنها ليست دولة نفطية عظمى. لا يزال إنتاجها محدودًا نسبيًا، ويتسم ميزانها الطاقي بالاعتماد المتزايد على الواردات. لذا، لا يقتصر السؤال الاستراتيجي على ما إذا كانت باطن الأرض التونسية لا تزال تحتوي على موارد هيدروكربونية، بل كيف يمكن للبلاد أن تقلل بشكل مستدام من اعتمادها على الطاقة.
ربما يكون هذا أحد أبرز نقاط ضعف النموذج التونسي.
فالدولة التي تضطر إلى تخصيص جزء كبير من مواردها المالية لاستيراد الطاقة، يكون لديها مجال أقل للاستثمار في الصناعة والبنية التحتية والتعليم والبحث العلمي والتقنيات الجديدة.
وبالتالي، تصبح مسألة الطاقة مسألة سيادة اقتصادية مباشرة.
ويتناول هذا الموضوع أيضًا مسألة التأميم والسيطرة على الموارد. وهذا موضوع شديد الحساسية سياسيًا. ففي الوعي الجمعي التونسي، تُعتبر فكرة أن الموارد الوطنية يجب أن تكون ملكًا للشعب بالكامل،إن استغلال الموارد لصالح المجتمع يمنح قوة كبيرة.
لكن السيادة على الموارد الطبيعية لا تعني بالضرورة أن تنتج الدولة كل شيء بمفردها.
المسألة الحقيقية هي مسألة السيطرة الاقتصادية على سلسلة القيمة.
يمكن للدولة الاحتفاظ بسيادتها القانونية على مورد ما مع بقائها معتمدة تقنيًا أو ماليًا أو تجاريًا على شركاء أجانب. في المقابل، يمكن أن تكون الشراكات الدولية مفيدة شريطة أن تُتفاوض عليها بطريقة تحافظ على المصالح الوطنية وتمكّن الدولة من اكتساب مهاراتها وتقنياتها وقدراتها الصناعية تدريجيًا.
لذا، ينبغي أن يتجاوز النقاش الثنائية التبسيطية بين “التأميم” و”الخصخصة”.
السؤال الحقيقي هو: من يسيطر على المورد؟ من يموّل استغلاله؟ من يتقن التكنولوجيا؟ من يحصد القيمة المضافة؟ وأين تُعاد استثمار العائدات؟
هذا الهيكل الاقتصادي هو الذي يحدد ما إذا كان المورد سيصبح أداة للتنمية أم مجرد مادة خام إضافية.
ثم يربط النص بين عدم استغلال الموارد بشكل كامل وتضخم الدين العام في تونس.
هذا الربط مثير للاهتمام، لكن يجب تفسيره بحذر.
لا يمكن تفسير ديون تونس بمجرد سوء استغلال الموارد الطبيعية، بل هي نتاج مجموعة عوامل أكثر تعقيدًا: عجز الموازنة، وضعف النمو، وفواتير أجور القطاع العام، والدعم الحكومي، ونقص الطاقة، والصعوبات التي تواجهها الشركات المملوكة للدولة، وضعف الاستثمار، والضغوط الاجتماعية، والاعتماد على التمويل الخارجي.
مع ذلك، ثمة رابط غير مباشر.
فعندما لا يُولّد الإنتاج المحلي ما يكفي من العملات الأجنبية، وتضطر الدولة إلى استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة والسلع الرأسمالية وبعض المنتجات الأساسية، تزداد الحاجة إلى التمويل الخارجي. وعندما يبقى النمو ضعيفًا، يصبح عبء الدين أشد وطأة.
إذن، لا تشبه مشكلة تونس مشكلة دولة خالية تمامًا من الموارد، بل تشبه مشكلة اقتصاد يكافح لتحويل إمكاناته إلى إيرادات كافية.
وهنا يصبح وصف “الدولة الفقيرة” مُضللًا.
تتمتع تونس بموقع جغرافي استثنائي في قلب البحر الأبيض المتوسط، وتاريخ صناعي عريق، وقطاع زراعي هام، وموارد معدنية وفيرة، وإمكانات هائلة في مجال الطاقة المتجددة، ورأس مال بشري ماهر، وقربها من السوق الأوروبية.
لذا، فإن مشكلتها الأساسية لا تكمن في نقص الموارد بقدر ما تكمن في غياب استراتيجية متماسكة كافية لربطها.
يجب ربط صناعة الفوسفات بالصناعات الكيميائية.
يجب ربط الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بسياسة صناعية.
يجب ربط رأس المال البشري الماهر بالبحث والتطوير التكنولوجي.
يجب ربط الموانئ باستراتيجية لوجستية إقليمية.
يجب أن يتطور قطاع السياحة نحو تحقيق قيمة مضافة أكبر بدلاً من الاعتماد بشكل أساسي على حجم الإنتاج.
ويجب دمج الموارد الطبيعية في استراتيجية صناعية وطنية بدلاً من اعتبارها مصادر دخل مؤقتة.
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم المستفاد من الفيديو.
لا تكمن ثروة أي بلد في باطن أرضه فحسب.
بل تكمن أيضاً في قدرته على تنظيم اقتصاده، والإنتاج، والتصنيع، والتصدير، والابتكار، والتفاوض.
يمكن أن يكون طن من الفوسفات مادة خام بسيطة، أو نقطة انطلاق لصناعة كيميائية متطورة. ويمكن حرق متر مكعب من الغاز ببساطة، أو دمجه في استراتيجية للطاقة والصناعة. ويمكن أن تتحول منطقة تعدين إلى منطقة استخراج ذات دخل منخفض، أو إلى مركز لمجمع صناعي حقيقي.
كل هذا يتوقف على النموذج المُختار.
لذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي الذي يواجه تونس هو: “هل نحن بلد فقير؟”
بل ينبغي أن يكون: “لماذا يعجز بلد يمتلك هذه الموارد الطبيعية، والمهارات البشرية، والموقع الجغرافي المتميز، عن تحويل هذه المزايا إلى ثروة جماعية؟”
يقودنا هذا السؤال مباشرةً إلى المسألة السياسية.
فخلف كل منجم، وكل مخزون، وكل عقد طاقة، وكل مشروع صناعي، يكمن قرار سياسي: الاستثمار أو عدم الاستثمار، والتصنيع أو التصدير، والتفاوض أو الخضوع، والتخطيط أو الارتجال.
لا تفتقر تونس بالضرورة إلى الموارد، بل تفتقر بالدرجة الأولى إلى القدرة المستدامة على تحويل مواردها إلى قوة اقتصادية.
ولعل هذا هو المكان الذي يكمن فيه “الكنز الخفي” الحقيقي للبلاد: ليس فقط في باطنها، بل في قدرتها على استعادة السيطرة علىالمسار الاقتصادي.
إذا أرادت تونس التحرر نهائياً من دوامة الديون، فمن المرجح أن تتحول من اقتصاد يركز أساساً على تمويل عجزها إلى اقتصاد قادر على توليد قيمة أكبر، وزيادة الصادرات، وتقليل اعتمادها على الموارد الاستراتيجية.
لذا، فإن النقاش الدائر حول سرا ورتان، وقفصة، والهيدروكربونات، والمعادن الحيوية، ليس سوى جزء من قضية أوسع بكثير.
أي نوع من تونس نريد أن نبني: اقتصاداً يبيع موارده للبقاء، أم اقتصاداً يستخدم موارده لبناء سيادته؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون محور نقاش وطني جاد.





