حرب إيران: حسابات ترامب الخاطئة….حميم عاشور
دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً استراتيجياً غير متوقع. فبعد أن كانت أهداف الحرب الأمريكية على إيران تتركز حول إسقاط النظام وتدمير البرنامج النووي في أسرع وقت ممكن، جرت الرياح بما لا تشتهي سفن البيت الأبيض. ها هي الحرب تدخل شهرها الخامس دون أن تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أي من أهدافها المعلنة، ليجد الرئيس ترامب نفسه أمام مأزق سياسي وعسكري معقد بعد أن أوهمه مستشاروه بإمكانية حسم المعركة في أسبوع واحد.
لم تكن الحسابات الأمريكية تتوقع المقاومة غير المتناظرة التي أبدتها طهران. بل على العكس من خطط واشنطن، تسببت الحرب في أزمة طاقة عالمية ألقت بظلالها الثقيلة على أسعار الوقود للمستهلك الأمريكي. هذا الارتفاع الحاد في الأسعار أجج جبهة المعارضة الداخلية للحرب، خاصة بعد أن فاجأت إيران العالم بقدرتها الفائقة على إغلاق مضيق هرمز، والتحكم بفاعلية وبقوة السلاح في حركة الملاحة البحرية عبر هذا الممر الحيوي.
عسكرياً، وبشهادة رئاسة الأركان المشتركة الأمريكية، فقد استُنفدت الخيارات العسكرية التقليدية كافة في المواجهة الدائرة. ولم يتبقَّ أمام الإدارة الأمريكية سوى خيارين اثنين، لا يمكن لعاقل يملك مثقال ذرة من الحكمة أن يفكر في اللجوء إلى أحدهما:الخيار الأول (تدمير منشآت الطاقة الإيرانية): وهو سيناريو كارثي سيقابله حتماً هجوم إيراني مماثل يستهدف صناعة النفط في منطقة الخليج بأكملها. هذا الأمر سيحدث أزمة طاقة عالمية قد تمتد لسنوات طوال، لن تنجو من تبعاتها الاقتصادية أي دولة في العالم.
الخيار الثاني (السيناريو النووي): اللجوء للسلاح النووي على غرار طريقة إنهاء المواجهة بين الولايات المتحدة واليابان إبان الحرب العالمية الثانية. وهو خيار مجنون لن يجبر إيران على الاستسلام بقدر ما سيحفزها على تسريع إنتاج قنبلتها الذرية، فضلاً عن أنه سيكسر “التابو الدولي” ويشجع قوى أخرى مثل روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإسرائيل، والهند على تفعيله مستقبلاً عند أي صدام.
يبدو أن ترامب وجد نفسه في وضع لا يُحسد عليه، وأصبح فتح مضيق هرمز وتأمين تدفق النفط أقصى أمانيه الحالية. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها قوة عالمية مهيمنة، لن تقبل بسهولة هذه الإهانة الاستراتيجية، بل ستنتقل إلى ما يُعرف بـ “الحرب الهجينة” لإضعاف طهران عبر مسارين رئيسيين:الإشغال الإقليمي: محاولة جر إيران إلى صراعات استنزافية مستمرة مع جيرانها العرب لإضعاف نفوذها الخارجي.التفكيك الداخلي: دعم القوى المعارضة للنظام كافة، واستغلال الحصار البحري وتوقف الصادرات النفطية لتأجيج الشارع الإيراني المستنزف اقتصادياً، وتحويل الأزمة المعيشية إلى أداة ضغط سياسي.
الخلاصة: لا سلام في الأفق فصمود إيران بات مرتبطاً بشكل وثيق بمدى قدرتها على التعافي السريع والالتفاف على هذا الحصار الخانق. وفي ظل هذه المعطيات، نحن اليوم أبعد ما نكون عن تحقيق سلام شامل في منطقة الشرق الأوسط والخليج؛ خاصة مع اشتعال الجبهة اليمنية من جديد، والتي تعد فيها إيران لاعباً أساسياً في مواجهة اللاعب السعودي “الجار اللدود”.ليبقى المشهد الإقليمي يراوح في حلقة مفرغة بين فترات حرب مستعرة، تتخللها هدن مؤقتة وفترات هدوء هش هنا وهناك





