ردّ علمي على مقال الأستاذ رضا الجوادي ..بقلم الشيخ الدكتور بدري المداني
ليس من الإنصاف العلمي أن تُختزل مسألة المولد النبوي الشريف في قراءة البردة والهمزية ودلائل الخيرات، ولا يمكن أن يعدّ ذلك من قبيل الممارسات التي يجب نهي رواد المساجد وتنبيههم منها ودعوتهم للتخلّص حسب ما ورد في مقال الأستاذ رضا الجوادي “تنبيهات على ما يقع في المساجد من مخالفات ” ثم تُقدَّم هذه المظاهر التي استقر عليها العمل في تونس قرونًا طويلة باعتبارها «مخالفات شرعية» و«بدعًا» على إطلاقها، وكأن علماء تونس، وأئمة جامع الزيتونة، ومشايخها، وأجيالها المتعاقبة، لم يكونوا على علم بأحكام الشريعة ولا بحدود السنة.إن الخلاف في بعض تفاصيل الاحتفال بالمولد قديم، ولا يصح تحويله إلى معركة عقائدية، ولا إلى معيار لتصنيف الناس في المحبة والصلاح والولاية. والأهم أن العمل الديني في تونس لم يتشكل على رأي فرد، وإنما تبلور عبر قرون من الممارسة العلمية والفقهية والتربوية، في بيئة مالكية أشعرية صوفية، كان جامع الزيتونة قلبها النابض.أولًا: هل نحن أمام «ظاهرة مستحدثة»؟الجواب التاريخي واضح: لا.فإنشاد الهمزية وقراءة دلائل الخيرات وإحياء ذكرى المولد في جامع الزيتونة ليست ظاهرة طارئة من السنوات الأخيرة. بل هي من المظاهر التي عُرفت في الحياة الدينية التونسية، وتوارثتها الأجيال، وشارك فيها أهل العلم والجامع وأئمته وكانت من عرف أهالي مدينة صفاقس وجوامعها وكل مدن البلاد وقراها.والدليل المعاصر على استمرار هذا التقليد أن وزارة الشؤون الدينية نفسها وثّقت رسميًا سنة 2022 موكب المولد بجامع الزيتونة، وذكرت صراحة مشاركة الحاضرين في الإنشاد الجماعي لسرد الهمزية ودلائل الخيرات.وفي سنة 2025 أكدت وزارة الشؤون الدينية استمرار الموكب، كما نقلت مصادر تونسية عن مفتي الجمهورية أن البرنامج يتضمن قراءة دلائل الخيرات وسرد قصة المولد وإنشاد الهمزية. ووصف وزير الشؤون الدينية هذه الممارسة بأنها عادة مباركة دأب التونسيون عليها منذ قرون.وهذا يجعلها نستفهم الجوادي هل يمكن أن يكون موقفك أصوليا “حكم الحاكم يرفع الخلاف” أعلى من مؤسسات الدولة وزارة الشؤون الدينية بمساجدها وأئمتها ودار الافتاء بشيوخها على مرّ التاريخ لم نعلم لهما موقف يختلف عن الموقف الثابت المعلوم ؟فكيف يصح بعد ذلك أن تُقدَّم هذه الممارسة في خطاب عام وكأنها بدعة دخيلة على تونس، أو كأن أهلها لم يعرفوا غيرها إلا في زمن قريب؟ثانيًا: الاحتجاج بالشوكاني لا يصنع إجماعًاأما الاستدلال بكلام الشوكاني على بطلان ما جرى به العمل في تونس، فهو من الناحية المنهجية غير كافٍ.فنحن أمام مسألة خلافية تتداخل فيها أحكام الذكر، والمدائح النبوية، والإنشاد، والمقاصد التربوية، والعادات الدينية، وأعراف البلدان. ومجرد وجود عالم أنكر صورة معينة من صور المدح لا يعني أن كل صورة من صور المدح تصبح محرمة، ولا أن الأمة مطالبة بإلغاء ما استقر عليه العمل في بلد من البلدان.ثم إن الشوكاني ليس مرجع المالكية في تقرير ما جرى به العمل في المدرسة الزيتونية التونسية، كما أن نقل عبارته في إنكار بعض ألفاظ البردة لا يكفي لإسقاط تقليد ديني كامل.بل حتى في مسألة البردة نفسها ينبغي التفريق بين أمرين:نقد بيت أو عبارة يرى بعض العلماء أن فيها غلوًا، وبين إسقاط القصيدة كلها، وإلغاء قراءتها، وتجريم محبتها، والطعن في قرون من العلماء الذين قرؤوها ودرّسوها ومدحوا بها رسول الله ﷺ. وشرحها العلماء باطناب لعل من أبرزهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الجد في كتابه”شفاء الجريح في شرح بردة المديح” وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول النقد العلمي إلى حكم شامل لا تحتمله الأدلة.ثالثًا: هل قراءة المدائح النبوية عبادة مستقلة لها صفة مفروضة؟هنا يقع الخلط الأكبر.لا أحد من أهل العلم يقول إن قراءة الهمزية أو البردة فريضة، أو أنها قرآن منزل، أو أن من تركها يأثم.وإنما تُقرأ باعتبارها مدائح شعرية وصيغًا في الصلاة على النبي ﷺ وذكر شمائله وسيرته ومناقبه.والعبادات لا تنحصر في الفرائض؛ فقد شرع الله الذكر والصلاة على النبي ﷺ ومدحه وبيان فضله وتعليم سيرته، ثم اختلف الناس في الصور والأساليب التي تتحقق بها هذه المعاني.فالذي يقرأ قصيدة شعرية في مدح رسول الله ﷺ لا يعتقد بالضرورة أنه يؤدي «شعيرة مستقلة» أنشأها الشارع، وإنما يمارس وسيلة من وسائل التعبير عن المحبة والتذكير بالسيرة.ومن هنا لا يصح الانتقال مباشرة من القول:«هذه الهيئة لم ترد عن النبي ﷺ بهذا الشكل» فهيئة صلاة التراويح ولا صلاة التهجد ولا الدروس في المساجد ولا مسابقات حفظ القرآن الكريم وردت عن النبيء صلى الله عليه وسلم بهذا الشكل الذي نراه اليومإلى القول:«إذن هي بدعة محرمة، ومن اعتادها واقع في مخالفة شرعية». وفي مفهوم البدعة بطولة حديث العلماء عن مجالها وعن أنواعها..فهذا انتقال يحتاج إلى إقامة الدليل، وليس مجرد افتراضه.رابعًا: الاستدلال بكلام الحطاب والشاطبي يحتاج إلى وضعه في سياقه أما الاستدلال بكلام الحطاب والشاطبي في الذكر الجماعي، فلا يصح أن يُستعمل بطريقة انتقائية لإثبات أن كل اجتماع على الذكر أو الإنشاد ممنوع.فالخلاف الفقهي في كيفية الاجتماع على الذكر ليس هو الخلاف في أصل الذكر، ولا يجوز أن يتحول إلى قاعدة لإبطال كل تقليد جماعي في المساجد.ثم إن تنزيل نصوص علماء على واقع مختلف يحتاج إلى تحقيق المناط: ما الذي اعتاده الناس؟ وما الذي يعتقدونه؟ وهل يعتقدون الوجوب؟ وهل يترتب على ذلك ترك واجب أو فعل محرم؟ أم أنها صورة من صور التعليم والتذكير والمديح؟وهذه أسئلة لا يجوز القفز فوقها.والأغرب أن الاحتفال المولدي في الزيتونة وفي كل مساجد البلاد لم يكن مجرد تجمع عفوي لعامة الناس؛ فقد عرفته المؤسسة العلمية نفسها، وتناقلته أجيال من أهل العلم، واستمر إلى عصرنا، بل ما زالت وزارة الشؤون الدينية ومفتي الجمهورية والإمام الأول لجامع الزيتونة يشرفون على موكبه.خامسًا: أين ذهب تراث علماء تونس؟إذا كان المطلوب إلغاء كل ما لم يفعله الصحابة بهذه الهيئة، فالسؤال يصبح أكبر من البردة والهمزية:ماذا نصنع بقرون من العمل التونسي والزيتوني؟ماذا نصنع بمدرسة ابن عرفة، والبرزلي، والسنوسي، والرصاع، والنفراوي، والوزير السراج، وإبراهيم الرياحي، وابن عاشور، والخضر حسين وجعيط والنيفر وبن محمود وسائر علماء تونس الذين تشكلت في بيئتهم الدينية هذه الروح العلمية والروحية؟إن تونس لم تكن يومًا نسخة من مدرسة فقهية وافدة؛ بل كان لها شخصيتها العلمية الخاصة، وكان المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني مكونات أساسية في تكوينها الديني.والاختلاف مع ممارسة تونسية متوارثة حق مشروع، أما تحويل هذا الاختلاف إلى حكم على أجيال كاملة بالابتداع والضلال، فليس من الإنصاف ولا من أدب الخلاف.بل إن ما جرى في جامع الزيتونة من إنشاد الهمزية في المولد موثق تاريخيًا ومستمر إلى اليوم، وقد نقلت المصادر التونسية أن هذه العادة استمرت قرونًا، ثم أصبحت في القرن التاسع عشر احتفالًا رسميًا بطلب من الإمام الأكبر للجامع ومفتي الديار التونسية آنذاك الشيخ إبراهيم الرياحي.وهذا وحده كافٍ لإثبات أن المسألة ليست «اختراعًا حديثًا» ولا تقليدًا دخيلًا على المجتمع التونسي.سادسًا: بين الغلو في المدح والغلو في المنعنحن لا ندافع عن كل لفظ في كل قصيدة، ولا نقول إن كل بيت من البردة أو الهمزية فوق النقد العلمي.بل نقول شيئًا أبسط وأعدل:مدح رسول الله ﷺ مشروع، والصلاة عليه مشروعة، وذكر شمائله وسيرته ومناقبه مشروع، والشعر في مدحه عرفته الأمة منذ صدر الإسلام.وإذا وجد في قصيدة بيت يحتاج إلى تأويل أو تصحيح أو ترك، فليُناقش البيت بعلم وأدب.أما أن يتحول ذلك إلى إلغاء أصل المدائح النبوية، والطعن في قراءتها، واتهام القائمين بها بأنهم خالفوا الشرع، فذلك غلو في الاتجاه الآخر.فالاعتدال لا يكون فقط في منع الغلو في النبي ﷺ، وإنما يكون أيضًا في عدم الغلو في المنع من كل ما يمت إلى محبته ومدحه وتعظيمه بصلة.سابعًا: المولد في تونس ليس قصيدة فقطوالأهم أن اختزال المولد التونسي في «قراءة قصيدة» اختزال شديد.فالمولد عند التونسيين ذاكرة دينية واجتماعية وروحية: قرآن، وصلاة على النبي ﷺ، وذكر، ومدائح، وسيرة، وإطعام، وصلة للأرحام، واجتماع للأسر، وإظهار للفرح بنعمة بعثة سيدنا محمد ﷺ.قال الله تعالى:﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.وقال سبحانه:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.فمن الخطأ اختزال هذه المعاني كلها في نزاع حول صيغة إنشاد جماعي أو بيت شعري.لقد كانت وظيفة المسجد في تونس تاريخيًا أوسع من أداء الصلاة؛ كان مدرسةً للعلم، ومجالًا للتربية، وفضاءً للاجتماع، ومنبرًا لتذكير الناس بالسيرة والأخلاق والآداب.ومن ثم فإن المطلوب اليوم ليس تجريد المساجد من ذاكرتها الدينية، وإنما إحياء المعنى، وتصحيح الأخطاء إن وجدت، وربط المولد بالسيرة والأخلاق والقرآن والعمل الصالح، وجعل محبة النبي ﷺ مدخلًا إلى اتباعه لا مجرد ترديد ألفاظ المدح.وهذا في الحقيقة هو الإصلاح الذي نحتاج إليه.ثامنًا: ليس كل ما خالف رأيًا فقهيًا صار «تطرفًا»من حق كل عالم أن يختار ما يراه راجحًا، ومن حقه أن ينتقد ممارسة لا يقتنع بها.لكن ليس من حق أحد أن يجعل رأيه الخاص ميزانًا وحيدًا للدين، ثم يضع المخالفين جميعًا في خانة الجهل والبدعة والغلو.إن الفقه أوسع من رأي واحد، والتراث أوسع من مدرسة واحدة، وتونس أقدم من أن تُختزل في خطاب فقهي وافد عليها أو في قراءة انتقائية لبعض النصوص.وإذا كان من الإنصاف الاستماع إلى قول الشوكاني، فمن الإنصاف أيضًا الاستماع إلى علماء تونس وإلى ما استقر عليه عمل الزيتونة، وإلى تاريخ البلاد الديني، وإلى ما توارثه أهلها من صور المحبة والذكر والمديح.خاتمة: الحب لا يُقاس بميزان التشددلسنا في حاجة إلى خصومة مع أحد، ولا إلى مصادرة رأي الشيخ رضا الجوادي؛ وإنما نحتاج إلى وضعه في حجمه العلمي الصحيح.إنه رأي اجتهادي معاصر في مسألة قديمة متعددة الأوجه، وليس حكمًا ملزمًا للأمة وهل نحن نرى أهل المذهب الوهابي اليوم قد قاموا بمراجعات جذرية وفعلية وحولوا فتاويهم من التحريم إلى إباحة الإحتفال بتنظيم المحاضرات في الحرمين المكي والمدني وسنسمع ذات يوم إنشاد البردة والهمزية في بيت الله الحرام والروضة الشريفة كما كانت في العهود الأولى، ولا إجماعًا، ولا يملك صاحبه أن يمحو به قرونًا من العمل التونسي والزيتوني.والأغرب من ذلك أن يتحول الاختلاف في وسائل التعبير عن محبة رسول الله ﷺ إلى وسيلة للطعن في محبة الناس له، أو إلى معيار لتوزيع صكوك الإيمان والصلاح والولاية.لقد عرفت تونس المولد بالقرآن والذكر والصلاة على النبي ﷺ والمدائح والسيرة والإطعام والاجتماع، وعرف جامع الزيتونة هذه المظاهر عبر أجيال من علمائه، وما زال يمارسها إلى اليوم تحت إشراف مؤسسات الدولة الدينية نفسها.ومن هنا نقول بكل هدوء:من أراد أن يناقش بيتًا فليناقش البيت، ومن أراد أن يصحح ممارسة فليصححها بالدليل والحكمة، أما أن يحاكم تراث بلد بأكمله بعبارات شديدة، فذلك ليس إصلاحًا للخطاب الديني، وإنما قطيعة مع الذاكرة الدينية للأمة.ثم إن من دعا بالأمس إلى التسفير والتكفير، أو ارتبط خطابه بإقصاء المخالف وتجريمه، لا يمكن أن يُجعل رأيه وحده مرجعًا حاسمًا في مسائل دقيقة تتعلق بالحب والذوق والجمال والمدائح النبوية.فمسائل الحب لا تُدار بمنطق التكفير، ومسائل الذوق لا تُحسم بمنطق الإقصاء، والجمال لا يُحاكم بعقلية الخصومة.والنبي ﷺ أحق الناس بأن يُذكر بالحب والأدب والجمال، مع حفظ التوحيد، وصيانة مقام النبوة، والبعد عن الغلو.تلك هي الوسطية التي عرفتها تونس، وذلك هو أدب الاختلاف الذي ينبغي أن يعود إلى خطابنا الديني._أنظر وثيقة مصاحبة بخط الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور سنة 1954 يدعو فيها العلماء لحضور حفل قراءة قصة المولد النبوي الشريف في الجامع الأعظم -هذه مخالفة شرعية وبدعة محرمة ارتكبها شيخ الاسلام المالكي رحمه الله !!!!!




