سفارات و جواسيس … بقلم أحمد الحباسى *
عزيزي المواطن ، عزيزتي المواطنة ، هذا زمن قبيح و زمن نذل ، و بدون مقدمات طويلة أصارحكم أنه زمن الخيانة و في هذا الزمن المطلوب منك أن تكون قابلا للبيع ، فقط لا غير ، و حينها ستجد تلك الأبواب التي كانت موصدة أمامك منذ فترة و ستجد تلك السفارات الأجنبية التي كنت تقف أمامها لساعات و ساعات في انتظار تأشيرة قد لا تأتى تفتح أماك على مصراعيها و تأخذك إلى داخلها بالأحضان ، طبعا ، فأنت ضيف مبجّل طالما نسيت وطنيتك و ضميرك على عتبة باب تلك السفارات و عندها ستتمتع مقابل هذا التنازل الكريم جدا بسفرات مدفوعة إلى كل دول العالم و حسب الطلب ، فنادق خمسة نجوم و خدم و حشم و اللازم منه ، ستقابل شخصيات من مختلف الجنسيات و حسناوات ستدفعك دون أن تشعر أو تفكر إلى بئر الخيانة، و في لحظة من اللحظات ستنتبه إلى أنك أصبحت عميلا و خائنا .
عذرا، سأخففها بعض الشيء ، هي فقط دورات تكوين و ورشات تدريب و ساعات تقضيها في التأهيل المعنوي و المهني لتصبح مواطنا أو مواطنة برتبة جاسوس ، جاسوس على من ؟ على وطنك طبعا ، على أبناء بلدك و دينك و عشيرتك ، هل أنت مغفل إلى حدّ أنك لم تفهم أو تدرك ما حصل منذ دخلت عتبة تلك السفارة في ذلك البلد الأجنبي ، بطبيعة الحال ، ذلك الباب اللعين قصده أناس من كل الأجناس و المهن و المطالب و الإيديولوجيات و كلهم خرجوا من هناك مشبعين بمهارات عالية في التجسس و فيهم من حوّلتهم تلك المخابرات إلى “كوادر” في دكاكين مشبوهة تمتهن الدفاع عن حقوق الإنسان و الحيوان و تمتهن الدفاع عن الحريات و عن الديمقراطية كما تراها أمريكا و حلفاءها من دول الغرب الاستعماري اللعين ، يافطات و عناوين مزوّقة و جذّابة و رنّانة كثيرة ، تحسين أوضاع حقوق الإنسان ، دورات تدريب على مكافحة الأمية ، برنامج لتكوين قادة المستقبل.
أنت ضعيف النفس و لا تقدر على الصمود أمام إغراء المال و المتعة و الأحضان الدافئة ؟ هذه هي المؤهلات الأساسية المطلوبة لجماعة السفارات إياها و أنت في نظرهم مشروع عميل ناجح بإمكانهم مع شيء من الرسكلة و التكوين أن يجعلوا منك العميل المثالي القادر على أن يكون كنز المعلومات المنتظر ، بطبيعة الحال سيتم إقناعك بحسن نواياهم و طيبة سريرتهم و سيقال إليك أن وطنك لا يستحق منك كل هذا العشق لأنه باعك و لم يلتفت إليك و تركك على الهامش في جملة من المهمشين غيرك ، سيقال لك أن العمالة شرف و أن الخيانة شرف و أن طعن الوطن في أمنه شرف ، سيؤكدون لك أن ما تفعله هو لصالح السلم و التعايش و أنك تقدم خدمات جليلة لوطنك دون أن تدرى . سيتحدثون ثم سيتحدثون إلى أن تقتنع بنبل “مهنتك ” و أنه لا ديمقراطية إلا في الغرب و أن ممارستك للخيانة واجب مقدس انتدبت إليه دون أن تدرى .
منذ سنوات والعديد من الصحف و الأقلام تتحدث بإطناب وتحذر من تلك الأدوار المشبوهة لبعض السفارات و تلك الزيارات و اللقاءات الخارجة عن العرف الديبلوماسي ، لقد نبهنا مرارا لخطر هذا النشاط المشبوه و قلنا حتى بحّ الصوت أن تلك السفارات هي الوكيل الحصرى المعتمد لمخابرات بلدانها و هي من توزع على ضعاف النفوس من الإعلاميين و السياسيين و المثقفين كوبونات الخيانة حتى تستقطبهم و تجعل منهم وقود حملات الضغط السياسي لانتزاع مواقف معينة من الأنظمة العربية تمسّ من سيادتها . و اليوم من حقّنا أن نتساءل لماذا تعودت الدولة على أن تنام نومة أصحاب الكهف على تلك المصائب، ثم تستيقظ فجأة بعد خراب مالطا ؟ هناك منظمات استخبارية مشبوهة مثل الـ MEPI وNDI وIRI وغيرها وبسبب صمت الدولة وغيابها أو تغاضيها منذ عشر سنوات أفرزت طبقة مسمومة من الحقوقيين والإعلاميين و السياسيين و ربما من قطاعات أخرى
باتوا ينالون من الوطن و يضربون سمعته و مستقبله وينتصرون لمصالح تلك المنظمات الخبيثة التي تتآمر بقصد ضرب الاستقرار السياسي و الاجتماعي و الأمني في البلاد ، من وراء منظمة NDI مثلا ؟ من يموّلها و ما هي أغراضها الحقيقية و لماذا تستّر البرلمان التونسي منذ أشهر على بعض المسائلات المتعلقة بتمويل هذه المنظمة لبعض النواب و لماذا هؤلاء دون غيرهم ؟. أسئلة معلّقة و أخرى حائرة لكن الثابت أن خيانة الوطن خطيئة كبرى تستحق طرح كل الأسئلة .
كاتب و ناشط سياسي .
ذ





