شارلي شابلن : المبدع الخالد…. سامي النيفر
في 16 أفريل 1889، جاء إلى العالم مبدع فذّ خالد لن يتكرّر.. فنّان متعدّد المواهب : ممثّل، مخرج، سيناريست، منتج، ومغنٍّ بريطاني…
تعذّب في طفولته إذ حصل طلاق والديه قبل بلوغه الثالثة من عمره واضطرّ للعمل في سنّ السابعة لمدة 18 ساعة في اليوم في ظروف صعبة وكانت أمّه تناضل حتى انتهى بها المطاف في مستشفى للأمراض النفسية. وقد التحق شابلن بفرقة موسيقية في سن العاشرة وبدأت تظهر موهبتُه في التمثيل شيئا فشيئا.
بداياته الحقيقية في الأفلام كانت سنة 1914 وهو في الخامسة والعشرين من عمره وظلّ يعمل -رغم بعض الإحباطات- إلى آخر يوم في حياته حتى إن لديه أعمالا مات قبل أن يكملها… هذا الرجل لا يضيع أوقات الناس ولا يستهزئ بهم.. كان ينتج فلما كل أسبوع في وقت من الأوقات ولكنه مهووس بالإتقان حتى إنه ظل سنتين و8 أشهر في تصوير فيلم “أضواء المدينة” (1931) الذي يحكي فيه قصة مؤثرة مع امرأة عمياء أحبها بإخلاص وحاول مساعدتها وافترق عنها لكنها لم تعرفه لاحقا إلا من خلال لمس يده وقد اعتبره بعض النّقّاد أفضل أعماله التي تجاوزت ال40 شريطا سينمائيا كان أكثرها صامتا وظلت تلك خاصية فريدة بشارلو حتى بعد ظهور تقنية الصوت فأفلامه عالمية تعتمد على الصورة والحركة مع كتابة أقوال قصيرة في بعض الأحيان… وكان شارلو يريد الحفاظ على هذا النمط، ولكنه أراد أن يثبت أنه بإمكانه -لو أراد- أن ينتج أفلاما ناطقة فكان أوّلها “الأزمنة الحديثة” سنة 1936 حيث غنّى بصوته وأبدع في تصوير انعكاسات الحياة المادية العصرية والنسق الجنوني لها ودخول الآلات بشكل وحشي إلى مواقع العمل وجشع الأعراف ورغبتهم في الربح على حساب إنسانيتهم والبطالة أو العمل في ظروف لا إنسانية بالإضافة إلى حياة الصغار وفقرهم وتشرّدهم وبعدهم عن عائلاتهم.. ولعلّ صورة البنت اليتيمة الهاربة من الشرطة لأنها سرقت خبزا في “الأزمنة الحديثة” والولد التّائه في “الطّفل” (1921) من أكثر ما علق في الذاكرة حول الطفولة الحزينة التي عاشها في حياته وصوّرها في أعماله….. نجح في تمثيل شخصية المتشرّد الفقير المهمَل الحالم بمستقبل أفضل في عالم مادّي لا يرحم… وقد جلب له ذلك سخطا أمريكيّا حتى إن الولايات المتحدة منعته سنوات من دخول أراضيها وشوّهت شعبيّته متّهمة إياه بالانحياز إلى الاشتراكية ضد الرأسمالية بالإضافة إلى المشاكل التي حصلت له بسبب تصوير شخصية “هتلر” في فيلم “الدّكتاتور” سنة 1940…
من منّا لم يتابع بعض أفلام شارلي شابلن ولم يعجب به ؟ هذا الرجل صنع نفسه بنفسه وخلق صورة فريدة له.. ملابس سوداء متّسعة، قبّعة وعكّاز، مشية خاصة به زادها تسريع نسق الصورة في الفيديو جمالا.. ربّما لا يعلم البعض أن شكل شارلو في الحقيقة مختلف تماما إذ لا يمكن لأحد أن يعرفه لو رآه فهو بلا شارب وله لباس وحركات مختلفة جذريا عن أفلامه وقد ظهر دون شكله المشهور في فيلم “أضواء المسرح” (1952).
على عكس ما يتبادر إلى ذهن البعض، كانت أفلام شارلو حزينة إنسانية رومانسية مأساوية ليست فيها النهايات السعيدة الخرافية المصطنعة وقد صيغت مشاهدها بإتقان مع الموسيقى التصويرية وبراعة التمثيل بطريقة مؤثّرة حدّ البكاء… لقد أبدع شارلي شابلن في التراجيديا بقالب كوميدي ساخر وبشكل جذاب بشخصيته وبمشاهد منتقاة بعناية وإتقان في السيناريو والتمثيل والإخراج وقد طرح قضايا نعيشها إلى يومنا هذا. كان قريبا من هموم الناس وكان يعمل بجدّ وبحبّ… توفّي في 25 ديسمبر 1977 تاركا إرثا خالدا لن يموت وسيبقى دائما أحد عباقرة السينما وأحد عظماء الإنسانية الذين نفعوا وتركوا بصماتهم في قلوب الناس على مرّ الأزمان.
سامي النيفر





