صفاقس 2040 ! …فتحي الهمّامي

صفاقس 2040 ! …فتحي الهمّامي

23 أكتوبر 2022، 14:00

أضحى الأمر عادة رائقة، منذ اجتماع منتدى السياحة أول العشرينات، وتسيير اول رحلة بحرية تجريبية، كل يوم أحد، وعلى امتداد موسم الرحلات البحرية، من نوفمبر إلى مارس، تزور صفاقس الباخرة “تانيت”، تصل إلى الميناء تتهادى في كامل حلتها، فرحة بالمحطة البحرية، ينزل السياح وهم يسرعون الخطى، فبرنامج الزيارة طويل، اليوم الشمس مشرقة، والجو منعش، منذ يومين الطقس في اوسلو درجتان تحت الصفر، وموجة برد في كوبنهاغن،

تبدأ الجوقة الصفاقسية في العزف عند مدرج الباخرة، اقترب المرشد “حمادي” مبتسما للاستقبال، شابة مليحة في لباس تقليدي، وفتيان على رؤوسهم الشاشية الحمراء،  يقدمون مشموم الياسمين والفل للضيوف…يتقدم السائحون مشيا من الميناء إلى قلب المدينة، يزورون قصر البلدية ويتفرجون على معماره البهي، ثم متحف البلدية، يتوقفون عند تمثال شكري بلعيد، مرورا بنافورة الماء البديعة، تطلب زائرة تزويدها بنبذة عن حياة الرجل الرمز، بينما يتمعن رفيقها في بناء عمارة البنك المقابلة،

معمار فرنسي الأصل، أمام دار المسرح البلدي العريق، المرشد  يُعَرِّفُهُمْ  على تاريخ باب بحر، الذي قرأه في كتاب الدكتور رضا القلال، يقترب الزوار من أسوار المدينة العتيقة، شرفات البلاد “السوري” متزينة بالورود من كل الألوان، وتتركز في ساحتها، سلة مهملات في كل ناحية، متجملة بطريقة مبهرة….                                                                ” حمادي” يرفع شارة الوقوف، يقدم للضيوف بسطة عن مدفع رمضان، المنتصب قربهم، ثم يكلمهم عن أسوار البلاد العربي، الواقفة أمامهم باعتزاز،

يهمس سائح روسي: أين سيارات هذه المدينة؟ يقترب الوفد من باب الديوان، يسمعون فجأة طائرا يغرد، ينظرون ناحيته، فيقول لهم المرشد هذا النوري عمار، ينفذ الزوار  إلى المدينة العتيقة، يقودهم المرشد مباشرة إلى دار الجلولي، الطريق سالكة إلى حومة الرقة، يطَّلع الضيوف على برج النار، ثم يدخلون الدار ومتحفها للفنون والتقاليد الشعبية،

الدار تشتمل على صحن فسيح، جدرانها والأقواس من حجارة الكذال المنحوتة، يستمتع الزوار بالنظر إلى الملابس التقليدية، كما الأدوات، يلقي المرشد نظرة خاطفة على البرنامج، حان وقت المفاجأة…     

                    يتحرك السياح عبر نهج الباي: المنجي سليم، يصلون إلى حانوت السيالة الفطايري، يستقبلهم رجل مهذب بلباس ابيض، يبدأ في تقديم لمحة عن تاريخ المحل، وعرض تطبيقي، بسرعة تجهز الفطاير والزلابية والمخارق، ويستمتع الجميع بتذوقها.             

                             من جديد، ينطلق الجميع عبر الأنهج الملتوية، يسلكونها بسهولة، منذ وقت، تحولت كلها إلى مسالك سياحية، فجأة يجدون انفسهم أمام مقهى الكامور، يتقدم  صاحبه مرحبا، وعلى انغام اغنية الجموسي “قهوجي”، قدم إليهم “التاي” الاخضر والأحمر، في اطباق الفضة البراقة. تنتهي برهة الراحة، الضيوف تحتضنهم الاسواق المجاورة للجامع الكبير: سوق الكامور، سوق الرّبع، سوق بللعج، سوق الجمعة،

يستقبلهم التجار بأنجليزية جذابة، وبحفاوة. بعد ساعة،  “حمادي” يحثهم على الفراغ من “الشوبينك”، آنت ساعة الزيارة الأهم… بخشوع وانبهار، يَلِج السائحون الجامع الكبير، راعي المعلم لا يطلب من النساء طَمْس شعر الرأس، يقدم لهم الأثر الأغلبي الأصيل، وقاعة الصلاة ذات الأصول العثمانية، كما الصومعة المربعة والمزخرفة، يُقرع الآن جرس الكنيسة اليونانية، المجاورة، ثلاثة او أربعة زوار يرسمون الصليب على صدورهم ، ينظر إليهم إمام الجامع بإخاء وود…                 

                   يرمق المرشد ساعته، يشير إلى ضيوفه ان الغداء في الإنتظار، قاعة المطعم كأنها متحف، تضم ادوات طبخ عتيقة، ورسوم جذابة على جدرانها، تحضر المفتحات في الحين، “جاك”  يأكل بنهم الكسكسي بالدوارة، بينما الاستكلندي وزوجته الكسكسي بالمرقة، قبل الوجبة الدسمة، التهموا حساء  التشيش….”بالهناء والشفاء”،  سيدة المطعم تطلب من المرشد ترجمة ما تقول، وعند المغادرة تسرع لتوديع الزوار بأدب، ويحرص شَابٌّ هَشٌّ، مساعدها، على تطييبهم بعطر القرنفل الشذي..

في نهاية برنامج اليوم الأول، يقود المرشد النابه الزوار ناحية باب الجبلي، في جولة خفيفة، يصلون براحة إلى فندق الحدادين، يستقبلهم الفضاء الثقافي بكل محبة، يجلسون في فضاءه الجميل، يستمعون إلى نبذة عن حياته وانشطته، سائح إيطالي يستأذن من المرشد، يقوم يتعرف على رجل يدرب الاطفال على الرسم، يهتف:” ياه إنه الفنان العالمي رؤوف الكراي! “، ويسرع الكل لأخذ صورة معه….           

                             في اليوم الثاني تنطلق الحافلة من الميناء، تصل دون عناء إلى فسقية الفندري، ببرج القصر، فسقية أغلبية، الأقدم في صفاقس،  سائحة هولندية تلفت نظر مواطنتها إلى مأرب، مجانب للفسقية، مئات الدرجات الهوائية تملأ فضاءه، تقول الضيفة: امستردام تشبه هذه البلاد، ولكن ينقصها احواض الورد تلك، الموضوعة بأناقة بين جنباته، يسارع مساعد المرشد المتطوع بالقول: المدينة تخلصت من السيارة منذ زمان، فقط المترو ينفذ إليها،

القطار و”اللواج” بنيت لهما محطتان خارجها، في الثلاثينات، وبالمثل حافلات النقل العمومي…   تتحرك الحافلة من جديد، تمر بباب الجبلي، ثم مركب صفاقس 2000 القديم، النظام يسود المكان، وحركة الدرجات هادئة، في دقائق تصل إلى برج “القنوني”، أقدم الأبراج في صفاقس، الذي تم ترميمه وانقاذه حديثا…

.من هناك تتجه الحافلة إلى قاصة بورقيبة، يصيح سائح: “ها هي أخيرا العربات ! “، من أعلى القاصة السريعة، يلمح راكب بريطاني حاويات النفايات، مستقرة هنا وهناك بنظام، الوانها متعددة وزاهية، يقول في نفسه: هذه البلاد حقا نظيفة، تنعطف الحافلة نحو طريق قابس: شارع البيئة، على اليسار، على امتداد البصر، لا تَرَى إِلاَّ الأَرَاضِيَ الخُضْرَ، من وراءها البحر يتلألأ، يتنهد المرشد، هنا كان يجثم الغول: “السياب”، تدرك الحافلة منطقة “طينة”،  يتجول السياح في موقعها الاثري،اصله بوني، ثم روماني، المرشد يقول: “تم مؤخرا الكشف عن كامل المدينة الأثرية” ….                   

                                  على الطريق، وقرب مدينة المحرس، المتألقة، تلوح من بعيد المدينة الرياضية، تنهض مُشْرِقة بلونها الأحمر الأخاذ، تصل الحافلة إلى هنشير الشعال، غابة الزياتين الأولى في العالم، الثانية اول القرن، تهش مديرة الهنشير للترحيب، برفقة مرشدة من المنطقة، ترفل بالخلة المحلية، تنطلق الجولة على نغمة الطبلة والزكرة، يتعرف الزوار على  الهنشير، على تاريخ الزيتونة، اعمارها، انواعها وغلالها، ثم في المعصرة، على اصناف الزيت، على عصر الزيتون، يندفع السائحون، يتَطَعَّمون الزيت البيولوجي، الأجود في العالم، بشراهة، تدعوهم المرشدة إلى المتجر المختص، المستقر بجانب المعصرة، يقتني الضيوف الهدايا، قوارير زيت الشعال الانيقة…             

                       من هناك يركب السائحون “الكواد”، يتوغلون في الغابة، يدركون المُخَيَّمُ بعد ساعة، طاولات الفطور منضودة في الطبيعة، في الحال توضع عليها اطباق الكسكسي، يزينه لحم العلوش، يقف المرشد يدعوهم إلى تذوق نبيذ كيرانيس:قرقنة، على نخب صفاقس، متمنيا لهم غداء شهيا…..

فتحي الهمامي الجمعية التطوعية للارشاد السياحي(تأسست في 3 مارس 2029)

مواضيع ذات صلة