صفاقس: الشريط الساحلي من جديد في الميزان….ملاحظات حول مشروع مثير للجدل…بقلم توفيق مقديش
عاد الحديث في الأيام الأخيرة عن فكرة (أو مشروع) إحداث منشأة لصناعة السفن بالقرب من شاطئ الكازينو. وفي ظل الغموض والضبابية التي تحيط بهذه المسألة، وغياب المعلومة الدقيقة والواضحة، يبدو من المشروع بل من الضروري إبداء جملة من الملاحظات والتساؤلات.
أولًا: موقع حساس يثير الاستغراب والمخاوف
يثير هذا المشروع قدرًا كبيرًا من الاستغراب والقلق، بالنظر إلى موقعه المقترح القريب من مركز المدينة، ومن مشروع تبرورة، والمجاور مباشرة لشاطئ الكازينو. ويُعد هذا الشاطئ من بين الشواطئ القليلة المتبقية داخل مدينة صفاقس. وهو شاطئ اصطناعي يعود إنشاؤه إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد كان يضم مرافق للترفيه وممارسة الرياضات البحرية. غير أنّ أنشطة شركة NPK أدّت إلى تدميره بالكامل، فأُغلق منذ أواخر سبعينات القرن الماضي.
ولم يُستعد هذا الفضاء إلا سنة 2015، بفضل حراك المجتمع المدني، ثم أُدخلت عليه تحسينات متتالية بمجهودات الجمعيات المحلية، ما جعله اليوم يستقبل آلاف الزائرين. كما شهد في الفترة الأخيرة عمليات تهيئة واستصلاح أنجزتها وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي، عزّزت من دوره كفضاء عمومي مفتوح ومتنفّس حضري نادر للمدينة.
ثانيًا: تهديد خيار استراتيجي معلن منذ عقود
إنّ الترخيص في إنجاز وحدة صناعية من هذا الصنف في هذا الموقع يعني عمليًا التخلي عن خيار مصالحة المدينة مع شريطها الساحلي، وهو ما يُعد خيبة أمل حقيقية ومصدر استغراب مشروع. فهذه المصالحة لم تعد مجرّد شعار، بل تحوّلت منذ عقود إلى خيار استراتيجي وُثّق رسميًا في عدة مخططات، من بينها المثال التوجيهي لصفاقس الكبرى لسنة 1998. ومن المفروض أن تكون هذه الوثائق ملزمة لكافة الإدارات، بما في ذلك الهياكل المركزية.
ثالثًا: مفارقة تاريخية في سياق التحولات العالمية
إذا ما انتبهنا إلى التحولات الحديثة التي عرفتها المجالات المينائية في العالم، فإن تركيز أنشطة صناعية ثقيلة أو ملوِّثة بمحاذاة مراكز المدن يمكن اعتباره اليوم مفارقة تاريخية (Anachronisme). ففي أغلب المدن الساحلية الكبرى، وقع نقل هذه الأنشطة بعيدًا عن النسيج العمراني، في حين حُوّلت المواقع المينائية القديمة إلى فضاءات حضرية وسياحية وترفيهية نابضة بالحياة، ساهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي وتحسين جودة العيش.
رابعًا: أسئلة قانونية مشروعة
من الناحية القانونية، تُعد «وحدات صناعة أو إصلاح الوحدات البحرية» في تونس من الأنشطة التي يستوجب إنجازها –وجوبًا– الحصول على ترخيص مسبق من الوكالة الوطنية لحماية المحيط، وذلك بعد إعداد دراسة المؤثرات على المحيط، طبقًا للأمر عدد 1991 لسنة 2005 المؤرخ في 11 جويلية 2005، والمتعلّق بضبط أصناف الوحدات الخاضعة لهذه الدراسة.
وهنا تطرح جملة من الأسئلة المشروعة:
• هل تم احترام هذا الإجراء وإعداد دراسة المؤثرات على المحيط؟
• وإن لم يتم إنجاز هذه الدراسة، فهل يُعد ذلك مطابقًا للقانون؟
• أما إذا أُنجزت الدراسة وصادقت عليها الوكالة الوطنية لحماية المحيط، فمن المفروض أن تُنشر نتائجها على العموم، ضمانًا للشفافية ولتطمئن القلوب.
إنّ مستقبل علاقة صفاقس ببحرها عمومًا، لا يمكن أن يُحسم في مناخ من الغموض، ولا أن يُقرَّر خلف الأبواب المغلقة. إنّه شأن عام بامتياز، يستوجب نقاشًا عموميًا واسعًا، قائمًا على المعلومة الدقيقة، واحترام القانون، والالتزام الصارم بالخيارات الاستراتيجية المعلنة, كما أنّ حماية الشريط الساحلي ليست مسألة عاطفية أو ظرفية، بل هي دفاع عن خيار حضري وبيئي طويل المدى، وعن حق الأجيال القادمة في مدينة متصالحة مع بحرها، لا مدينة تعيد إنتاج أخطاء الماضي.




