صفاقس المحرس: «مهرجان الزربوط»..احتجاج ساخر على الفراغ الثقافي

صفاقس المحرس: «مهرجان الزربوط»..احتجاج ساخر على الفراغ الثقافي

2 أوت 2026، 19:00

في سابقة لافتة تحمل بين طياتها الكثير من السخرية الذكية والرسائل العميقة، تعيش معتمدية المحرس على وقع فراغ ثقافي واضح هذا الصيف، في تكرار لما حصل السنة الماضية: لا مهرجانات كبرى، لا سهرات فنية، ولا حتى محاولات جادة لصناعة الحدث. مدينة بحرية بامتياز تستقبل أبناءها العائدين من الغربة وزوارها، لكنها تبدو هذه الأيام ساكنة، كأنها خارج خارطة الفعل الثقافي والترفيهي.

هذا الغياب لم يمر مرور الكرام. بل تحوّل، في أوساط شبابية وثقافية، إلى فكرة بديلة خرجت من رحم الشارع، فكرة ساخرة في ظاهرها لكنها عميقة في مضمونها: إطلاق «مهرجان الزربوط» كصيغة احتجاج إبداعي على واقع ثقافي جامد، وعلى تكرار نفس الأسماء الفنية في مختلف معتمديات الجهة، في عروض تفتقد أحيانا للجدة والجاذبية.

«الزربوط» أو «الحذروف»، تلك اللعبة الشعبية التي نشأ عليها جيل كامل، لم تكن مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل كانت مدرسة مصغّرة تعلم الصبر والدقة والتحكم، وتُنمّي مهارات يدوية وفنية لدى الأطفال. من إتقان لفّ الخيط، إلى مهارة التحكم في دوران القطعة الخشبية، وصولا إلى التقاطها بحرفية في الهواء، كانت اللعبة تعكس روح التحدي والإبداع في زمن بسيط، خالٍ من مظاهر الترف التكنولوجي.

اليوم، تعود هذه اللعبة لتُطرح كرمز لفكرة أوسع: لماذا لا تتحول هذه الذاكرة الجماعية إلى مشروع ثقافي حقيقي؟ لماذا لا يُبنى مهرجان من الأرض، من تفاصيل الحياة اليومية، بدل استنساخ نماذج مستهلكة لا تترك أثرا؟

التصور المقترح لمهرجان «الزربوط» يتجاوز حدود المزاح، ليشمل مسابقات في إطالة مدة دوران الزربوط، وعروضا في مهارات التقاطه، إضافة إلى معارض للحرفيين المختصين في صناعته، وفضاءات للنقاش حول رمزية اللعبة ودلالاتها الاجتماعية، إلى جانب فقرات فنية تشكيلية تستلهم من هوية المحرس كمدينة للفن والإبداع.

الفكرة، وإن بدت بسيطة، تحمل في جوهرها دعوة لإعادة التفكير في مفهوم المهرجان: هل هو مجرد استهلاك فني موسمي، أم يمكن أن يكون مساحة للابتكار وإحياء التراث وصناعة هوية محلية مميزة؟

في المقابل، يطرح هذا الطرح تساؤلات جدية حول واقع المشهد الثقافي في المحرس، وخاصة وضعية مهرجان الفنون التشكيلية الذي يواجه منذ سنوات صعوبات مادية تحدّ من إشعاعه، رغم قيمته الرمزية ومكانته التاريخية. كما يعكس غياب التظاهرات الكبرى هذا الصيف حالة من الارتباك أو العجز في برمجة موسم ثقافي يواكب تطلعات المتساكنين والزوار.

بين السخرية والجد، تبدو «فكرة الزربوط» أقرب إلى صيحة تنبيه: المحرس لا تفتقر إلى الإمكانيات البشرية أو الرمزية، بل تحتاج إلى رؤية جديدة تنطلق من خصوصيتها، وتعيد ربط الثقافة بالناس، لا أن تفرض عليهم من فوق.

وفي انتظار أن تتحرك الجهات المعنية، تبقى الرسالة واضحة: حين يغيب الفعل الرسمي، يخلق الشارع بدائله، وربما من لعبة بسيطة تدور على الأرض، يمكن أن تنطلق فكرة تدور أبعد..وتصنع الفارق.

وائل الرميلي

مواضيع ذات صلة