صفاقس تحتفي بالإبداع الشعري التلمذي: قصيدةٌ تُنصت إلى أحلام الناشئة وتفتح أمام المواهب الواعدة أبواب التألّق
في أجواء تربوية وثقافية متميّزة، احتفت صفاقس بالكلمة الجميلة وبالمواهب الشعرية الناشئة، من خلال تنظيم الملتقى الجهوي للإبداعات الشعرية التلمذية بالمدارس الإعدادية والمعاهد، بإشراف المندوبية الجهوية للتربية صفاقس 1، في مبادرة تؤكّد أهمية الأنشطة الثقافية في الحياة المدرسية، ودورها في صقل الملكات اللغوية، وتنمية الحسّ الجمالي، وإتاحة الفرصة أمام التلاميذ للتعبير عن ذواتهم وأحلامهم من خلال الشعر والكتابة الإبداعية.
وقد شهد هذا الموعد حضور السيد عبد الوهاب الجربي، المندوب الجهوي للتربية صفاقس 1، مرفوقًا بالسيد عماد البهلول، مدير مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي، والسيد محمد حميد، المدير المساعد للحياة المدرسية، والسيد عماد العموص، رئيس مصلحة شؤون التلاميذ، والسيد وليد دمق، رئيس مصلحة الأنشطة الثقافية بالمرحلة الإعدادية والثانوية، إلى جانب ثلّة من الأساتذة المؤطّرين والمربين وممثلي المؤسسات التربوية، وعدد من التلاميذ الذين جمعهم شغف الكلمة والإيمان بقدرة الشعر على تحويل الأحاسيس والتجارب إلى نصوص تنبض بالحياة.
وتولّت لجنة التحكيم، المتكوّنة من متفقّد مادة العربية السيد نور الدين لسود، والدكتور النوري الشعري، والأستاذ ياسين الهرابي، مهمة تقييم القصائد المشاركة وفق معايير فنية ونقدية تراعي خصوصيات الكتابة الشعرية لدى التلاميذ، ومستويات التعبير، وجودة الصورة الشعرية، وتماسك البناء، وثراء المعجم، وقدرة النص على التعبير عن تجربة إنسانية أو وجدانية بلغة تنمّ عن الموهبة والأصالة.
وتولّت الأستاذة نجوى جابر تنشيط الملتقى، في أجواء اتّسمت بالتفاعل الإيجابي وروح التشجيع.
وقد أسفرت نتائج الملتقى عن تتويج عملين شعريين عن كلّ من المرحلتين الإعدادية والثانوية، إلى جانب اختيار عملين لتمثيل ولاية مندوبية التربية صفاقس 1 في الملتقى الوطني للإبداعات الشعرية التلمذية، المزمع تنظيمه بولاية قابس موفّى شهر أكتوبر الجاري، بما يتيح للتلاميذ فرصة أوسع للتعريف بتجاربهم الشعرية، ومواصلة تطوير أدواتهم التعبيرية، والانخراط في فضاء وطني تتلاقى فيه المواهب الشابة وتتبادل فيه التجارب والرؤى.
وفي المرحلة الإعدادية، أحرزت قصيدة «إلى المربّي»، للتلميذة إسراء عزّ الدين، من المدرسة الإعدادية الحبيب عاشور، المرتبة الأولى، في اختيار يستحضر رمزية المربّي ومكانته في بناء الإنسان وتشكيل الوعي، ويعيد الاعتبار إلى الرسالة التربوية بما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية ومعرفية وقيمية.
أمّا في المرحلة الثانوية، فقد وقع اختيار قصيدة «أحبّك بصمت»، للتلميذ يوسف قصّارة، من معهد 15 نوفمبر 1955 بصفاقس، لتمثيل المندوبية الجهوية للتربية صفاقس 1 في الملتقى الوطني. ويكشف عنوان القصيدة عن أفق وجداني يفتح المجال أمام التعبير عن المشاعر الإنسانية في ما تحمله من رهافة وعمق، وعن قدرة الكتابة الشعرية على استكشاف المسكوت عنه في التجربة الذاتية، وصياغة الأحاسيس في لغة موحية تتجاوز المباشرة إلى الإيحاء والتلميح.
إنّ تتويج هذين العملين، إلى جانب بقية الأعمال التي حظيت بالتقدير، لا يمثّل مجرّد إعلان عن نتائج مسابقة مدرسية، بل هو احتفاء بمجهودات التلاميذ وبما يبذلونه من وقت وقراءة ومحاولات من أجل بناء نصوصهم الخاصة.
ومن هنا تبرز أهمية مثل هذه الملتقيات في تشجيع التلميذ على الكتابة، وتحفيزه على القراءة، ومساعدته على اكتشاف قدراته وتطويرها في بيئة تربوية تقدّر الإبداع وتمنحه المكانة التي يستحقها.
كما تؤكّد هذه المبادرة أنّ الثقافة المدرسية لا تنفصل عن أهداف التربية، بل تمثّل امتدادًا لها ورافدًا أساسيًا من روافدها. فالشعر يعلّم التلميذ الإصغاء إلى الكلمات، والانتباه إلى دلالاتها، والبحث عن المعنى وراء ظاهر العبارة، كما يدرّبه على التعبير عن أفكاره ومشاعره بأسلوب واعٍ ومسؤول.
ويُحسب للمندوبية الجهوية للتربية صفاقس 1 حرصها على إتاحة هذا الفضاء للإبداع التلمذي، ودعم المبادرات التي تجعل من الأنشطة الثقافية عنصرًا فاعلًا في الحياة المدرسية. كما أنّ تضافر جهود المسؤولين التربويين والأساتذة المؤطّرين ولجان التحكيم يعكس أهمية العمل المشترك في اكتشاف المواهب ورعايتها، وتوفير الظروف الملائمة لنموّها وتطوّرها.
وهكذا، جدّدت صفاقس، من خلال هذا الملتقى، تأكيدها أنّ القصيدة يمكن أن تكون جسرًا بين المدرسة والحياة، وبين المعرفة والجمال، وبين موهبة في بدايات تشكّلها وأفق إبداعي ينتظر أن تبلغه. وبين «إلى المربّي» لإسراء عزّ الدين و«أحبّك بصمت» ليوسف قصّارة، تتجلّى صورتان من صور الإبداع التلمذي؛ إحداهما تستحضر قيمة الرسالة التربوية، والأخرى تفتح نافذة على العالم الوجداني للناشئة، لتؤكّدا معًا أنّ الشعر يظلّ مساحة رحبة تتعدّد فيها الأصوات وتتنوّع فيها التجارب.
صفاقس تحتفي اليوم بأبنائها الشعراء، وتمنح أحلامهم مساحة للكلام، إيمانًا منها بأنّ القصيدة التي تولد في رحاب المدرسة قد تصبح، غدًا، صوت جيل كامل ومرآة لتطلّعاته وآماله.




