صفاقس تختنق ونحن نتعوّد…بقلم : محمد جمال الشرفي.
صفاقس تختنق، والمشكلة الأخطر ليست فقط في الماء الذي ينقطع، ولا في الكهرباء التي تتراجع، ولا في الطرقات والبنية التحتية التي أنهكها الإهمال. المشكلة الأعمق هي أننا بدأنا نتعوّد. نتعوّد على النقص، على الانتظار، على الأعطال، على تراجع مستوى الخدمات، وعلى أن يصبح ما كان يُعتبر أزمة استثنائية جزءاً من الحياة اليومية.
في مدينة بحجم صفاقس، بتاريخها الاقتصادي والصناعي والفلاحي ودورها في إنتاج الثروة، لا يمكن التعامل مع نقص المياه الصالحة للشرب أو اضطراب التزويد بالكهرباء باعتبارهما مجرد أعطاب تقنية عابرة. عندما تصبح المياه والكهرباء والخدمات الأساسية غير مستقرة، فإن المسألة تتحول من مشكلة خدمات إلى أزمة في معنى العيش الكريم نفسه. المواطن لا يحتاج إلى خطابات تبرر الأزمة بقدر ما يحتاج إلى دولة تضمن له أبسط شروط الحياة.
والأكثر إيلاماً أن صفاقس تبدو وكأنها تدفع ثمن نجاحها السابق. المدينة التي صنعت جزءاً مهماً من الاقتصاد التونسي، والتي ارتبط اسمها بالإنتاج والعمل والاستثمار والفلاحة والصناعة والتجارة، تشعر اليوم بأن وزنها الاقتصادي لا ينعكس بالقدر نفسه على مستوى الخدمات والبنية التحتية والاهتمام العمومي. وبينما تتراكم المشاكل، يتراجع الإحساس بأن المدينة تحظى بالمكانة التي تستحقها.
المشكلة لا تتوقف عند الماء والكهرباء. فالبنية التحتية، والطرقات، والنقل، والتصرف في النفايات، والبيئة، والخدمات الصحية والاجتماعية، كلها عناصر مترابطة في منظومة واحدة. عندما تتراجع هذه العناصر مجتمعة، يصبح المواطن أمام واقع يشعر فيه بأن الدولة تطالبه دائماً بالصبر، بينما لا يرى إصلاحاً يوازي حجم المعاناة.
وهنا تظهر مشكلة أخطر من الأزمة نفسها: التطبيل والشعبوية. عندما تتحول السياسة إلى خطاب يجمّل الواقع بدل أن يواجهه، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف. يتم إقناعه بأن النقص طبيعي، وأن الاحتجاج مبالغة، وأن المطالبة بالخدمة العمومية نوع من الترف. ومع مرور الوقت، يتغير معيار المقبول. ما كان غير مقبول بالأمس يصبح أمراً عادياً اليوم، وما كان يُعتبر فشلاً إدارياً يصبح مجرد ظرف عابر.
ومن هنا يبدأ الإحساس بالتمييز. المواطن الذي يعمل ويدفع الضرائب ويساهم في الاقتصاد يريد أن يشعر بأن حقوقه في الخدمات العمومية مصونة، لا أن يجد نفسه مضطراً إلى دفع المزيد من ماله الخاص للحصول على خدمات يفترض أن تكون متاحة للجميع. وفي المجال الصحي تحديداً، فإن أي نقاش حول أحقية المواطن في العلاج يجب أن يكون قائماً على مبدأ المساواة والشفافية وحسن إدارة الموارد، لا على خطاب يضع فئة من الناس في مواجهة فئة أخرى.
أما القول إن صفاقس تحولت إلى مأوى لكل من هب ودب، فهو تعبير عن غضب اجتماعي ينبغي فهم أسبابه، لكن لا ينبغي تحويله إلى اتهام جماعي للغرباء أو للمهاجرين. أصل المشكلة ليس وجود أشخاص يبحثون عن حياة أفضل، وإنما قدرة الدولة على إدارة الهجرة والخدمات والسكن والصحة والعمل والموارد بطريقة عادلة ومنظمة تحفظ حقوق السكان وتحترم حقوق الآخرين في الوقت نفسه. تحميل فئة كاملة مسؤولية أزمة مؤسساتية لا يعالج الأزمة، بل يحجب المسؤول الحقيقي عنها.
صفاقس لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى سياسة واضحة تعيد الاعتبار للمدينة وللسكان وللاقتصاد المحلي. تحتاج إلى ماء منتظم، وكهرباء مستقرة، وبنية تحتية تليق بمدينة منتجة، وبيئة قابلة للحياة، ومستشفيات قادرة على خدمة المواطنين، وإدارة محلية أكثر نجاعة، ورؤية اقتصادية تعيد للمدينة دورها كقاطرة إنتاج لا كمجرد منطقة تتحمل الأعباء.
الأخطر من أن تختنق صفاقس هو أن يعتاد أهلها الاختناق. لأن الأزمة عندما تصبح عادة تفقد قدرتها على إثارة الصدمة، وعندما يفقد المجتمع قدرته على الاستغراب من التراجع، يصبح التراجع نفسه طبيعياً.
صفاقس لا تحتاج إلى أن يتعوّد أهلها على النقص. تحتاج إلى أن تستعيد حقها في المطالبة بالكفاءة، وبالخدمة العمومية، وبالعدالة في توزيع الموارد، وبالتنمية التي تتناسب مع ما تقدمه للبلاد.
فالمدينة التي تنتج الثروة لا يجوز أن تصبح مدينة تتعايش مع الحرمان، والمواطن الذي يساهم في بناء الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد متفرج على تراجع مدينته. المشكلة ليست في أن صفاقس تختنق فقط؛ المشكلة في أننا بدأنا نتعلم كيف نتنفس وسط الاختناق وكأنه أصبح أمراً عادياً.





