صفاقس : تواصل مسلسل غياب “الدّولة”
ظاهرة الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء، والّذين غصّت بهم مدينة صفاقس وضواحيها، حتّى أصبح وجودهم مشهدا مألوفا في كل مكان وفي كل طريق وفي جميع الأحياء، ما هي إلا واحدة من عديد الظواهر والمشاكل والملفات الحارقة التي عجزت الدولة عن حلّها منذ عقود في ولاية صفاقس…
ففي الوقت الذي يحلم فيه أهل المدينة أن يتنعّموا بمناطق سياحية وأخرى ترفيهية تستجيب لأبسط شروط المرافق السياحية.. تمرّ بنا مشكلة تكدّس النفايات وإغلاق المصبّات، وتعيش المدينة ولا تزال تحت وطأة “الزبلة” ومخلّفاتها الصحية والبيئية الخطيرة، وذلك بالرغم من التدخّل المشهور لرئيس الدولة آنذاك ووعوده الذي ذهبت هباء منثورا؛ فقد ظلّت الأزمة تراوح مكانها لفترة طويلة جدا. في حين تنعم غيرها من مناطق البلاد، وهذا حقّها، بالهواء النقي والنظافة والخدمات البيئية دون انقطاع.
وفي الوقت الذي تحلم فيه المدينة منذ عقود بمركب رياضي يستجيب لتطلعات أحد أعرق الأندية التونسية، وأعني النادي الرياضي الصفاقسي وجمهوره الذي حطّم أرقاما قياسية في التنقلات… نجد أنّ ملاعب أخرى في سوسة وتونس قد جرى تجديدها، وخُصّصت لها الميزانيات الكافية لإعادة بعث الروح فيها بالرغم من حداثة هذه المشاريع.. وها هي جوهرة الساحل تنعم بواحد من أجمل الملاعب الرياضية الذي يتناسب مع القيمة السياحية والكروية لهذه المدينة، وكذا المنزه يشهد ترميما وأشغاله على قدم وساق من أجل الإبقاء على هذا الملعب “التاريخي” أو “الأثري”… وأمّا المطلب التاريخي لجمهور صفاقس فلا يزال ينام تحت الدرس إلى حين انتخابات قادمة ليصبح ورقة انتخابية متجدّدة يسترزق منها الساسة وأشباه الساسة.
وفي الوقت الذي تنعم فيه العاصمة وتونس الكبرى عموما وبعض مدن الساحل بخدمات المترو الخفيف، بما يوفره من تسهيلات للنقل والركاب… تعيش صفاقس أزمة مواصلات خانقة ولا سيما في أثناء العام الدراسي؛ إذْ يرزح معظم السكان تحت ضغط الحافلات وسيارات التاكسي… وليس في صفاقس من المترو الخفيف سوى مبنى وموظفون بعضهم تقاعد من شركة المترو الخفيف فرع صفاقس.. أما المترو الخفيف فلا وجود له إلا في خيالات البعض..
والحقيقة أنّه من خفّة العقل أن ننتظر من الدولة مشروعا ضخما مثلما نحلم… وشخصيّا عرفت هذه الحقيقة منذ 1990 حيث كنت متدرّبا في مجلة شمس الجنوب وأوفدني رئيس التحرير المرحوم علي البقلوطي، طيّب الله ثراه، إلى المهندس المشرف على مشروع الجسر المتحرّك لشط القراقنة… وبعد حديث مطوّل بما يليق بمقام النشر الصحفي آنذاك.. قال المهندس: ولدي، دون أن تكتب هذا وتنشره، أقول لك راهو موش ماشي يصير شي، لا جسر متحرك ولا ميناء ترفيهي كيما القنطاوي ولا غيرو… راهو الدولة ترمي في الكورة على رجال الأعمال الصفاقسية… كان عملو عملو لمدينتهم وكان ما عملوش لاباش عملو..”
لذا كل المصائب التي تمرّ بالمدينة لا يمكن حلّها إلا بتحرّك المجتمع المدني وحراير صفاقس وأحرارها في كنف القانون؛ لأنّ الدولة منذ عقود وإلى اليوم لا نجني منها سوى الوعود الكاذبة. فهل سيستجيب أهل صفاقس للتحرّك المرتقب يوم الأحد 25 جوان أمام مقر بلدية صفاقس الكبرى احتجاجا على تكديس الأفارقة جنوب الصحراء في مدينة صفاقس لا سيما بعد رسالة الطمأنة الأخيرة التي تلقاها المهاجرون غير الشرعيين في “قلب” باب الجبلي؟
سليم مصطفى بودبوس





