صفاقس : سوق قريعة من فضاء تاريخي لتجارة اللحوم إلى سوق للملابس الجاهزة ؟
يُعدّ سوق قريعة، الواقع بالجهة الشمالية من أسوار المدينة العتيقة بصفاقس، أحد النقاط التجارية المهمة التي تربط قلب المدينة العتيقة بأحوازها، بما يمثّله من حركية اقتصادية وتجارية ومن مكانة في ذاكرة الأهالي. فهذا السوق ليس مجرد فضاء للبيع والشراء، بل هو جزء من تاريخ النشاط التجاري بالمدينة، ارتبط لسنوات طويلة بتوفير اللحوم الحمراء وتلبية حاجيات السكان، وكان له دور في تموين المدينة بهذه المادة الأساسية.
وخلال زيارة خاطفة لهذا السوق، يبرز مشهد يطرح أكثر من سؤال حول واقع الأسواق البلدية في صفاقس، ومدى وجود رؤية واضحة لتنظيمها والمحافظة على وظائفها الأصلية. فالسوق الذي خُصّص تاريخيًا لبيع اللحوم الحمراء، يبدو اليوم وكأنه يتحوّل تدريجيًا إلى فضاء لبيع الملابس الجاهزة، في تغيّر يستدعي التوقف عند أسبابه وتداعياته، لا سيما في ظل ما يفترض أن تضطلع به البلدية من دور في تنظيم الأنشطة التجارية وتحديد وظيفة كل سوق وفق خصوصيته وحاجيات المدينة.
فهل يُعقل أن يتغيّر نشاط سوق بلدي ارتبط تاريخيًا بتجارة اللحوم الحمراء، ليتحوّل تدريجيًا إلى سوق للملابس الجاهزة، دون أن يفتح ذلك نقاشًا جديًا حول مستقبل هذا الفضاء ووظيفته؟ وهل أصبح تغيير طبيعة الأنشطة التجارية داخل الأسواق أمرًا واقعًا يُفرض بالتدريج، بينما تغيب الرؤية الواضحة التي تضبط هذا التحوّل وتحدّد شروطه وحدوده؟
إن المسألة لا تتعلق برفض تجارة الملابس الجاهزة أو التقليل من أهميتها الاقتصادية، فلكل نشاط تجاري مكانته ودوره في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير مواطن الرزق. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في مدى احترام خصوصية الأسواق البلدية، وفي وجود سياسة واضحة تضمن التوازن بين تطوّر النشاط التجاري والمحافظة على الوظائف التاريخية والاقتصادية لهذه الفضاءات. فالسوق ليس مجرد عقار يمكن تغيير طبيعة استغلاله بمرور الوقت، بل هو مرفق تجاري له هوية ووظيفة وعلاقة مباشرة بالنسيج العمراني والاجتماعي للمدينة.
ومن هنا، يبرز السؤال الموجّه إلى المجلس البلدي: ما هي الاستراتيجية المعتمدة لتنظيم الأسواق داخل المدينة العتيقة بصفاقس؟ وهل توجد متابعة فعلية للتحولات التي تشهدها هذه الفضاءات؟ وما هي المعايير التي تضبط توزيع الأنشطة التجارية، حتى لا تتحوّل الأسواق تدريجيًا إلى فضاءات متشابهة تفقد معها خصوصيتها التاريخية ووظيفتها الأصلية؟
إن المحافظة على سوق قريعة لا تعني تجميد الزمن أو منع التطور، بل تعني إدارة هذا التطور برؤية واضحة ومسؤولة. فالتجديد الاقتصادي مطلوب، لكنّه لا ينبغي أن يكون على حساب الذاكرة التجارية للمدينة أو دون تقييم لحاجيات السكان والتجار. كما أن أي تغيير في وظيفة السوق يستوجب فهم أسبابه، وتحديد انعكاساته، والتثبت من مدى توافقه مع التراتيب البلدية المنظمة لاستغلال الفضاءات التجارية.
إن صفاقس، بما تملكه من تاريخ تجاري عريق، تحتاج إلى سياسة بلدية تتجاوز معالجة الوضعيات اليومية إلى وضع تصور متكامل لمستقبل أسواقها، وخاصة الأسواق المرتبطة بالمدينة العتيقة. تصور يحافظ على هوية هذه الفضاءات، وينظم الأنشطة داخلها، ويضمن استجابتها للتحولات الاقتصادية والاجتماعية دون التفريط في أدوارها التاريخية.
سوق قريعة ليس مجرد اسم في خريطة صفاقس، بل هو جزء من تاريخها الاقتصادي وذاكرتها الجماعية. ولذلك، فإن ما يشهده من تحوّل في طبيعة النشاط التجاري يستحق توضيحًا من الجهات المعنية ونقاشًا جديًا حول مستقبل الأسواق البلدية. فالسؤال اليوم ليس فقط لماذا تغيّر نشاط هذا السوق، بل أيضًا من يخطط لمستقبل أسواق المدينة العتيقة، وبأي رؤية، ولأي غاية؟
المطلوب اليوم هو توضيح رسمي من البلدية بشأن وضعية سوق قريعة، وطبيعة الأنشطة المرخّص فيها، والتوجهات المعتمدة لتنظيم الأسواق بصفاقس. فالمحافظة على الذاكرة التجارية للمدينة لا تتحقق بالشعارات، بل بالتخطيط والمتابعة والقرارات الواضحة التي توازن بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة في مدينة تحترم تاريخها وتصون هويتها.
محمد جمال الشرفي.




