صفاقس : معضلة النقل البحري لقرقنة تحوّلت الى ازمة هيكليّة
لم تعد معضلة النقل البحري بين صفاقس وقرقنة مجرد اضطراب ظرفي في مواعيد الرحلات، بل تحولت إلى أزمة هيكلية خانقة تنتهك أبسط مقومات الحق في التنقل الآمن وتكشف عن تدهور غير مسبوق في إدارة المرفق العام من قبل الشركة الجديدة للنقل بقرقنة (سونوتراك).
لقد استنفد متساكنو الجزيرة وروادها كامل طاقات الصبر؛ فالمسار اليومي الذي يفترض أن يكون شريان حياة يربط الأرخبيل بمحيطه الاقتصادي والاجتماعي، انحدر تدريجياً عبر مراحل متتالية: من التأخير المزمن وغير المبرر، إلى الإلغاء الفجائي للسفرات، وصولاً إلى جنوح باخرة “المحيط” (سفرة 18:30) وخروجها عن مسارها الملاحي لتشحط في القاع وتترك الركاب عالقين وسط البحر.
إن ما جرى يسلط الضوء مجدداً على الحالة التقنية المتردية للأسطول البحري؛ بواخر استُهلكت بنيتها التحتية، وغياب للصيانة الجذرية، واضطراب متواصل في انتظام الخطوط. هذه الوقائع تنسف تماماً الخطاب الترويجي الرسمي الذي يصف قرقنة بـ”الجزيرة السياحية الواعدة”، إذ كيف يستقيم الحديث عن تنمية سياحية أو جذب استثماري في منطقة تعجز الدولة فيها عن تأمين عبور بحري آمن ومستقر لمواطنيها ومرضاها وطلبتها؟
ولا تقل خطورة هذا الإخفاق التقني عن الانهيار التام لمنظومة التواصل وإدارة الأزمات صلب الشركة؛ فحين تقع مثل هذه الحوادث في عرض البحر وتتقطع السبل بالعائلات، يغيب أي حضور إعلامي رسمي يضع حداً للشائعات أو يحيط الرأي العام وعائلات الركاب بحيثيات التدخل وتطمينهم على سلامة ذويهم. هذا الصمت المطبق لا يعكس فقط ضعف الكفاءة الاتصالية، بل يجسد استخفافاً غير مقبول بالقلق الإنساني والمسؤولية المجتمعية.
إن وضع النقل في قرقنة بات يستوجب تدخلاً عاجلاً من سلطة الإشراف والجهات الرقابية، ليس عبر المسكنات الترقيعية، بل عبر تدقيق شامل لأسطول “اللود”، وإعادة هيكلة خطط السلامة والملاحة، ووضع حد لسياسة التعتيم واللامبالاة التي تركت الجزيرة وأهلها رهينة الإهمال في عرض البحر.
نافع الحليوي




