فرحة العيد لم تكتمل في جنين… بقلم: فؤاد بكر
إذا سألوك عن فلسطين قل: بها شهيد يسعفه شهيد يصوّره شهيد يودعه شهيد يصلي عليه شهيد، بهذه الكلمات التي عبر عنها محمود درويش، يختصر المشهد الفلسطيني منذ أكثر من 75 ولاسيما هذه الليلة التي تضاف إلى سجل جرائم الاحتلال التي باتت أفظع من الهولوكوست ومرادها إبادة الشعب الفلسطيني بكل ما للكلمة من معنى، في ظل صمت دولي لا يحرك ساكنا.
فبينما كان اللاجئون الفلسطينيون في مخيم جنين يطهون الحلوى ومعمول عيد الأضحى، فرحين بصلة الأرحام والترابط العائلي والوحدة الشعبية التي لم يعد لها مثيل في الوطن العربي إلى الان، حتى قرعت جرائس الكنائس وكبرت مآذن الجوامع، ولكن هذه المرة لم تكن تكبيرات العيد أو تلبية لصلاة الفجر، بل كبّرت على الاحتلال الذي اقتحم مخيم جنين جويا وبريا من خلال الطائرات العسكرية وعبر الاليات والدبابات، ليقتل من يشاء، ويهدم بيوت من يشاء، ويعربد في سماء الوطن كما يشاء، تحت ذريعة القضاء على المسلحين الذين يدافعون عن العرض والارض تجاه العدوان الاسرائيلي المتكرر.
وبينما أغلقت قوات العدو الاسرائيلي جميع الطرقات المؤدية الى جنين، خوفا من تعزيز الالتفاف الشعبي والترابط العائلي الذي كان مزعجا له بكل تأكيد خلال أيام العيد، دافعت جنين وحدها بشراسة. لم تستنجد هذه المرة بمن هم نائمون أصلا، كما لم يصرخوا في الآذان الصماء التي لا تريد أن تسمع أصوات القنابل والغارات الجوية، والتي لا تحبذ أن تسمع صراخ الأطفال، ولم يحاولوا أيضا إنعاش ضمير الأنظمة العربية التي طبّعت مع الاحتلال، أو التي تحاول فتح علاقات ثنائية واهمة بمكسب من هنا أو هناك، لأنهم أعلنوا وفاة ضمير الحكام ودفنوه في أحضان نتنياهو والمراقص الليلية، والملاهي البنكية.
كيف للإعلام المسعور وصاحب القلم المأجور أن يتجرأ بعد ما حصل هذه الليلة في جنين أن يروج للتطبيع والتسويات الاقليمية على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، أو يضيّف أحد قيادات العدو ليبرر بكل وقاحة عن جريمته التي أقدم عليها، أو يتوانى عن عرض الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة للضفة الغربية، ويستبدلها بأفلام ليلية رومانسية ودرامية، تغطية على جرائم الاحتلال أو خشية من عقوبات أمريكية؟ فالإعلام الذي لا ينقل مآسي الشعوب أقل ما يقال فيه أنه عهر إعلامي بكل ما للكلمة من معنى.
لقد غاب عن ذهن جيش الاحتلال أن النار لن تطفئها النار، وأن من يهاجمهم هم لاجئون أصلا، فلو أراد فعلا القضاء على المجموعات المسلحة كما يدعي، لأعطاهم حقوقهم وأعادهم إلى أراضيهم التي هجّروا منها أصلا عام 1948، لكن، كما بات يعلم الجميع، مراد جيش الاحتلال الاسرائيلي والحكومة اليمينية المتطرفة هو القضاء على ما تبقى من الشعب الفلسطيني، وسرقة أراضيه، وتهويد المكان والزمان.
واسمحوا لي أن أتكلم باسم الشعب الفلسطيني الذي تغيب قياداته الرسمية عن سماع مطالبه : لا تسويات قبل دحر الاحتلال وتطبيق كامل البرنامج الوطني المرحلي الذي يلاقي إجماعا وطنيا من كافة أطياف ومكونات الشعب الفلسطيني، فما يريده هو العيش بكرامة ولا كرامة في ظل الاحتلال.
مازال الشعب الفلسطيني متمسكا بخيار المقاومة باعتبارها الطريق الأسرع لدحر الاحتلال، ولن يهاب الاقتحامات الاسرائيلية التي لن تزيده إلا إصرارا على المقاومة، فنحن أمام شعب لا يهاب الموت، فهو الشعب الحي والجبّار.





