قراءة في نصف قرن من تجربة اليسار التونسي في كتاب «كان الحب قانيًا» للأستاذ عبد اللطيف معطر
إن اليسار في تونس، على اختلاف مدارسه وتشكيلاته الإيديولوجية، لم تكن حصيلته النضالية، في نظر كثيرين، بمستوى التضحيات الجسام التي قدمها مناضلاته ومناضلوه. فقد عانى هؤلاء الاعتقالات، والسجن في أقبية وزارة الداخلية، وما كان يصاحبها من تعذيب وتنكيل، أفضى في أكثر من مناسبة إلى الموت. كما تعرضوا لمحاكمات كيدية، ونقل تعسفية، وصنوف شتى من القمع والاضطهاد، في قائمة طويلة لا تكاد تنتهي.
وفي السنوات الأخيرة، عادت تجربة اليسار إلى واجهة النقاش، وتوقف كثيرون، ممن عايشوا هذه التجربة أو آمنوا بها، عند أسباب تعثرها، وما انتهت إليه من خيبات وانكسارات، في محاولة لفهم هذا المسار واستخلاص دروسه.
ومن بين الذين خاضوا هذه التجربة بكل ما حملته من آلام ومعاناة، الأستاذ عبد اللطيف معطر*، الذي احتفينا مؤخرًا بصدور أول أعماله الأدبية، الموسوم *«كان الحب قانيًا». وقد كان لنا معه هذا الحوار، حيث طرحنا عليه جملة من الأسئلة، أملاً في إلقاء مزيد من الضوء على تجربة اليسار في تونس، من خلال شهادة أحد أبنائه الذين آمنوا بمبادئه، وخاضوا غماره بإيمان وعزيمة، قبل أن يعيدوا تأمل تلك التجربة بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات
.سؤال: “كان الحب قانيًا” هو أول تجربة لك في كتابة مؤلَّف موجَّه إلى عموم القراء. ماذا تمثل لك هذه التجربة وكيف عشتها؟
جواب: لم أدخل عالم الكتابة من باب التسلية أو حبّ الكتابة في حد ذاتها، بما تتيحه من ترويح عن نفس الكاتب ومن ترويج لفكره. دخلته من باب الشعور بالحاجة إلى الكتابة، ومن باب واجب الإفصاح عمّا يختلج في صدري من مشاعر لا تخصني وحدي. أحسست، وأنا أكتب الصفحة تلو الصفحة، أني أتخفف من وزن ثقيل جثم على صدري لسنوات طويلة. لم يكن هاجسي الأول: لمن أكتب؟ بل: لماذا أكتب؟أكتب لأفرغ ما في قلبي من حيرة ونغص، ولأتلّمس بعض الأجوبة عن أسئلة كثيرة استعصى عليّ الإمساك بها، حول ما شهدته وعشته من أحداث في تونس بعد “زلزال” 14 جانفي 2011.
ولعلّ القادح الذي دفعني بقوة إلى الكتابة كان ذلك الشعور بالإحباط الذي تكرر أكثر من مرة إثر الإعلان عن نتائج انتخابات 2011 و2014 و2019، حيث كان نصيب “أحزاب” ـ أو حزيبات ـ اليسار الذي أدّعي الانتماء إليه لا يكاد يبتعد عن صفر فاصل في المائة. وقد أقلقني ذلك السؤال العويص والخانق: لماذا بقي اليساريون، بمختلف فصائلهم وخطوطهم، على هامش التاريخ حين تحرك التاريخ في بلادهم، وهم الذين اعتقدوا ـ أو حلموا ـ جميعًا أن مكانهم في قلب التاريخ، ولم يبخلوا بالجهد المضني ولا بالتضحيات الجسيمة في سبيل تحقيق حلمهم؟رأيت أن رحلة البحث عن جواب أطمئن إليه يجب أن تبدأ بتجربتي أنا نفسي مع أحد فصائل اليسار خلال فترة شبابي. وهكذا وجدت نفسي أنبش في ذاكرتي وأستحضر ذكرياتي كلها، بدءًا من طفولتي الأولى. أتذكر، وأتفحص، وأكتب..
سؤال: هل كتبت كل ما تذكّرته، أم مارست نوعًا من الرقابة الذاتية على ذاكرتك وعلى ما ترويه؟جواب: لا أحد يستطيع أن يكتب “كل شيء”. الذاكرة نفسها تمارس انتقاءها الخاص، ثم يأتي الكاتب ليضيف انتقاء آخر، واعيًا أو غير واعٍ. نعم، مارست نوعًا من الرقابة الذاتية، لكن ليس خوفًا من كشف نفسي بقدر ما كان حرصًا على ألا أتحول إلى قاضٍ للآخرين أو إلى صاحب ضغينة متأخرة. كنت أريد أن أقول الحقيقة كما رأيتها وعشتها، لا أن أستعمل الكتابة لتصفية الحسابات.ثم إن بعض الجراح ليست جراحنا وحدنا. هناك أشخاص ما زالوا أحياء، لهم عائلاتهم وذكرياتهم وآلامهم. لذلك حاولت أن أوازن بين واجب الصدق وواجب الرحمة. ومع ذلك أعتقد أني كنت، في المجمل، صريحًا إلى حد قد يزعج بعض من عرفوني أو عاشوا معي تلك المرحلة.. سؤال: لماذا تصرّ على اعتبار “كان الحب قانيًا” سيرة روائية أكثر منه سيرة ذاتية؟ ولماذا تعتبره سيرة جيل لا سيرة فرد فقط؟جواب: لأنني لم أرد أن أكتب مجرد سرد كرونولوجي لحياتي الشخصية، ولم يكن هدفي أن أقول للناس: “انظروا ماذا فعلت في حياتي”.
كنت أريد أن أحكي تجربة إنسان وجيل وحلم جماعي عبر مصير فرد واحد.السيرة الذاتية التقليدية تتمحور غالبًا حول صاحبها باعتباره مركز الحكاية، أما في “كان الحب قانيًا” فأنا مجرد خيط داخل نسيج أوسع: العائلة، الحي، الجامعة، السجن، الرفاق، الأحلام الكبرى والانكسارات الكبرى أيضًا.أما وصفها بالسيرة الروائية فلأنني لم أتعامل مع الوقائع كوثائق جامدة، بل حاولت أن أضخ فيها روح الأدب: في بناء المشاهد، وفي استحضار الأمكنة، وفي الاشتغال على اللغة والإيقاع والصورة والذاكرة. الواقع موجود، لكنه يمر دائمًا عبر حساسية الكاتب ومخيلته وإعادة ترتيبه للعالم.. سؤال: عنوان الكتاب “كان الحب قانيًا” عنوان كثيف بالإيحاءات والحنين والألم أيضًا. هل تساعدنا على الإمساك ببعض مفاتيحه؟جواب: أحب العناوين التي تترك الباب نصف مفتوح ولا تقدم نفسها دفعة واحدة. “كان الحب قانيًا” عنوان يحمل، بالنسبة إليّ، أكثر من طبقة ومعنى.
هو أولًا إحالة إلى زمن كانت فيه المشاعر أكثر حرارة وبراءة وحدّة: حب النساء، حب الرفاق، حب الوطن، حب العدالة، وحتى حب الأوهام الكبرى. كان كل شيء يُعاش بكثافة عالية، كأن الحياة نفسها أكثر قُربًا من القلب.لكن كلمة “كان” تحمل أيضًا شيئًا من الفقدان والأسى، كأننا نتحدث عن زمن انقضى أو عن لون بهت مع الوقت. أما “قانيًا” فهي كلمة مرتبطة بلون الدم واللهب معًا؛ بالحياة والجرح في الآن نفسه. وربما لهذا أحببتها.. سؤال: رغم أن الكتاب تونسي الروح والتجربة، اخترت نشره في مصر مع دار صفصافة للنشر لا مع دار نشر تونسية.
هل كان ذلك اختيارًا أدبيًا أم نتيجة ظروف النشر في تونس؟جواب: ربما الأمران معًا. كنت أفضل طبعًا أن يصدر الكتاب في تونس، لأن النص ابن هذه البلاد وتربتها وذاكرتها. وقد تواصلت فعلًا مع أكثر من دار نشر تونسية، وبعضها عبّر عن تقديره للعمل، لكن واقع النشر في تونس صعب ومعقد، خاصة بالنسبة لكاتب يصدر عمله الأول في سن متأخرة نسبيًا، ولا ينتمي إلى دوائر النفوذ الثقافي والإعلامي.حين تواصلت مع دار صفصافة شعرت بجدية في التعامل وبحماس حقيقي للنص نفسه، لا فقط لاسمي أو لعلاقاتي. وهذا أمر مهم جدًا بالنسبة لأي كاتب.
ثم إن النشر في مصر يمنح الكتاب أيضًا إمكانية الوصول إلى فضاء عربي أوسع، وهو ما أسعدني بطبيعة الحال.سؤال: هل شعرت، وأنت تكتب، أنك تصالحت مع بعض جروحك القديمة أم أنك فتحتها من جديد؟جواب: الاثنان معًا. أحيانًا كنت أشعر أن الكتابة تشبه عملية تنظيف جرح قديم: تؤلمك لأنها تعيد ملامسته، لكنها تساعده أيضًا على الالتئام بطريقة صحية. هناك صفحات كتبتها وأنا أشعر بشيء من التحرر الداخلي، كأنني أخرج أخيرًا كلمات بقيت حبيسة صدري لعقود. لكن هناك صفحات أخرى أرهقتني نفسيًا وأعادت إليّ وجوهًا وأحداثًا كنت أظن أن الزمن طمسها.الكتابة ليست مصالحة كاملة مع الماضي، بل هي محاولة للتعايش معه وفهمه، وربما أيضًا لمنحه معنى لم يكن واضحًا وقت عيشه.. سؤال: هل خفت يومًا من ردود فعل رفاق الأمس أو أفراد العائلة بعد صدور الكتاب؟جواب: نعم، بطبيعة الحال.
كنت واعيًا أن لكل ذاكرة أصحابها، وأن الناس لا يتذكرون دائمًا الماضي بالطريقة نفسها. بعض من عاشوا معي تلك المرحلة قد يرون الأمور من زاوية مختلفة، وربما يعتبر بعضهم أنني كنت قاسيًا أو متساهلًا أو حتى غير منصف أحيانًا.لكن خوفي الأكبر لم يكن من النقد، بل من سوء الفهم. كنت أخشى أن يُقرأ الكتاب باعتباره محاولة لإدانة أشخاص أو تمجيد آخرين، بينما كان هدفي الأساسي فهم تجربة إنسانية وسياسية بكل ما فيها من نبالة وأخطاء وأوهام.أما العائلة، فقد كان الأمر أكثر حساسية، لأن الكتابة عن الطفولة والعلاقات العائلية تعني أحيانًا كشف مناطق حميمة جدًا.
حاولت أن أكتب بمحبة حتى عندما أكتب بألم.سؤال: ما الذي تغيّر في نظرتك إلى جيلك بعد الانتهاء من الكتاب؟جواب: ربما أصبحت أكثر عدلًا معه. في مرحلة من المراحل كنت أنظر إلى جيلي بكثير من المرارة، وأحيانًا بشيء من القسوة أيضًا، لأن الأحلام التي حملناها كانت أكبر بكثير من النتائج التي انتهينا إليها.لكن أثناء الكتابة بدأت أرى الأمور بصورة أكثر تعقيدًا وإنسانية.
اكتشفت أن ذلك الجيل، رغم أخطائه وأوهامه، كان يحمل قدرًا هائلًا من الصدق والاستعداد للتضحية. كان جيلًا يريد فعلًا أن يغيّر العالم، حتى وإن أخطأ فهم العالم أحيانًا أو أخطأ الطريق إليه.ربما كانت مشكلتنا الكبرى أننا أحببنا الأفكار الكبرى أكثر مما فهمنا المجتمع الحقيقي الذي كنا نعيش داخله. سؤال: هل كنت تكتب بعين الشاهد أم بعين القاضي أم بعين الحالم الخائب؟جواب: حاولت أن أكتب بعين الشاهد المتأمل، لا بعين القاضي. القاضي يصدر أحكامًا نهائية، بينما أنا نفسي ما زلت أحمل أسئلة أكثر مما أحمل أجوبة.لكن لا أنكر أن الحالم الخائب كان حاضرًا بين السطور. ليس خائبًا بالمعنى العدمي أو المرير فقط، بل بالمعنى الإنساني: إنسان رأى أحلامًا كبيرة تتكسر أمامه، ثم حاول بعد سنوات أن يفهم لماذا حدث ذلك، وماذا بقي حيًا من تلك الأحلام رغم كل شيء.سؤال: أين ينتهي الواقع في الكتاب وأين تبدأ إعادة التخييل الروائي؟جواب: الواقع هو المادة الأساسية للكتاب، لكن الذاكرة نفسها ليست آلة تصوير محايدة. حين نستعيد الماضي فإننا نعيد ترتيبه وتلوينه وربما إعادة اكتشافه أيضًا.
ثم إن الكتابة الأدبية ليست محضرًا إداريًا للأحداث. هناك اشتغال على اللغة، وعلى بناء المشهد، وعلى الإيقاع الداخلي للنص، وعلى طريقة تقديم الشخصيات والزمن. أحيانًا كنت أختزل أحداثًا، وأحيانًا أدمج لحظات متفرقة داخل مشهد واحد حتى أصل إلى حقيقة أعمق من مجرد الدقة الواقعية الباردة.لهذا أفضل وصف “السيرة الروائية”، لأنه يعترف بحضور الواقع وبحضور الأدب في الآن نفسه.سؤال: هل تعتقد أن اليسار التونسي أخفق في فهم المجتمع أم في مخاطبته؟جواب: أعتقد أنه أخفق في الأمرين معًا بدرجات مختلفة. جزء من اليسار تعامل طويلًا مع المجتمع كما لو أنه مجرد تلميذ متأخر عن “الحقيقة” التي يمتلكها المناضلون، بدل أن يحاول فهم تعقيداته العميقة وتاريخه وثقافته وحاجاته النفسية والرمزية أيضًا.
كما أن لغة اليسار بقيت في أحيان كثيرة لغة نخبوية مغلقة، مليئة بالمفاهيم والشعارات، لكنها بعيدة عن اللغة الحقيقية للناس وعن مشاغلهم اليومية.ومع ذلك لا أحب الأحكام التبسيطية. فاليسار التونسي دفع أيضًا أثمانًا باهظة من القمع والسجون والمنافي، وكان له دور مهم في الدفاع عن الحرية والعدالة وحقوق النساء والنقابات وغيرها. المشكلة أن التاريخ لا يكافئ دائمًا أصحاب التضحيات.سؤال: ما الذي بقي حيًا فيك من ذلك الشاب الذي تتحدث عنه في الكتاب؟جواب: بقيت أشياء كثيرة رغم تعب السنوات.
بقي ذلك الإحساس الحاد بالظلم، وبقي شيء من الحنين إلى عالم أكثر عدلًا وإنسانية، وبقيت أيضًا هشاشة ذلك الشاب وأسئلته الكبرى.لكن ما تغير هو علاقتي باليقين. في شبابي كنت أعتقد أن العالم يمكن تفسيره بسهولة نسبية، وأن امتلاك الفكرة الصحيحة يكفي تقريبًا لتغيير الواقع. اليوم أصبحت أميل أكثر إلى الشك وإلى الإصغاء وإلى فهم تعقيد البشر والتاريخ.
ربما فقدت بعض اليقين، لكني ربحت شيئًا من الحكمة… أو هكذا أحب أن أعتقد.سؤال: هل الكتاب محاولة لفهم الماضي أم أيضًا لفهم تونس اليوم؟جواب: لا يمكن فهم تونس اليوم دون العودة إلى تلك العقود التي صنعت وعينا الجماعي وصراعاتنا وأوهامنا أيضًا. لذلك فالكتاب ليس مجرد عودة نوستالجية إلى الماضي، بل محاولة لفهم جذور كثير من الأسئلة التي ما زالت مطروحة إلى الآن: العلاقة بالسلطة، بالدين، بالحرية، بالنخب، بالشعب، وبفكرة التغيير نفسها.كنت أكتب عن الأمس، لكن تونس اليوم كانت دائمًا حاضرة أمامي، أحيانًا كأمل وأحيانًا كجرح مفتوح. سؤال: هل يمكن اعتبار “كان الحب قانيًا” كتابَ وداعٍ لمرحلة، أم محاولةَ إنقاذ لذاكرتها؟جواب: ربما هو الأمران معًا. هو نوع من التوديع الحزين لزمن كامل، بأحلامه الجميلة وأخطائه القاسية ووجوهه التي غاب كثير منها. لكنه أيضًا محاولة لإنقاذ شيء من حرارة تلك التجربة الإنسانية قبل أن يبتلعها النسيان أو التشويه أو الاختزال.أؤمن أن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم نفسها. وربما لهذا كتبت.
لقد تعددت الكتابات التي تناولت أزمة اليسار في بلادنا، والأسباب التي أدت إلى خروج أكثر من تيار من تياراته بحصيلة هزيلة لا تتناسب إطلاقًا مع التضحيات الجسام التي قدمتها مناضلاته ومناضلوه.غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نكتفي بتوصيف الحالة البائسة التي آل إليها اليسار، وما انتهى إليه من تشرذم غير مسبوق، أم أن الواجب يقتضي البحث عن السبل الكفيلة باستعادة مكانته، واسترجاع تاريخه، وإعادة الألق إلى مشروعه السياسي والفكري؟




