قراءة قانونية في موضوع حادثة المطار…الأستاذ فتحي الجموسي
بدون الخوض في الخلفيات السياسية و الحزبية لهذا الموضوع و بدون التطرق للأسباب الذي دفعت المحكمة العدلية للإسراع في اصدار حكم يخدم مصلحة المتهمين ويحميهم من عقوبات المحكمة العسكرية من تحمل تبعة أفعالهم و نيل عقاب ملائم للجرائم المقترفة والتي كان هدف مرتكبيها استباحة سلطة وهيبة الدولة فإني سأقتصر فقط على الحديث في الجانب القانوني و الجدل الفقهي القائم حول هته الواقعة.
1/ ملخص للقضية:
هته القضية تعهد بها القضاء العدلي والعسكري
وطعن محاموا المتهمين في اختصاص القضاء العسكري وصدر قرار محكمة التعقيب الذي يقر باختصاص القضاء العسكري في القضية سنة2021
لكن رغم قرار هته المحكمة العليا واصل قاضي الناحية النظر فيها وأصدر حكم بالسجن ب 3 أشهر ضد المتهمين. أما المحكمة العسكرية المعهدة من طرف محكمة التعقيب فقد قضت بالادانة والسجن ابتدائيا.
هذا وقد واصل القضاء العدلي نظره في القضية واصدرت المحكمة الابتدائية بوصفها محكمة استئناف لأحكام النواحي قرار استئنافي سنة 2022 يقضي باقرار الحكم الابتدائي مع اسعاف المتهمين بتأجيل التنفيذ
في حين أصدرت محكمة الاستئناف العسكرية مؤخرا حكمها الاستئنافي
2/ في خصوص اتصال القضاء:
_ الملاحظ أن المحكمة العدلية بالطورين الابتدائي والاستئنافي لم تذعن لقرار ملزم من محكمة أعلى منها رتبة يلزمها بالتخلي عن القضية لفائدة المحكمة العسكرية في حين أن هته الأخيرة واصلت نظرها تطبيقا لقرار محكمة التعقيب.
_ أنه لا يمكن الحديث عن اتصال القضاء طالما أن واقعة المطار تجمعت فيها عدة وقائع إجرامية لم تتعهد المحاكم العدلية الا بجزء ضئيل منها ولم تنظر في الوقائع و الأعمال الإجرامية التي كانت لها أكثر خطورة على الحق العام واهمها المساس بأمن الدولة الداخلي وهته الأخيرة تعهدت بها المحكمة العسكرية.
و بالتالي فلا يمكن الحديث عن اتصال القضاء حول جرائم لم تتعهد بها المحكمة العدلية.
فمن يتعمد مثلا اختراق الضوء الأحمر وينجم عن ذلك ارتكاب حادث مرور ثم يحاكم فقط من اجل اختراق هذا الضوء و الحال انه تسبب في اضرار بدنية للغير لا يمكن له ان يتمسك باتصال القضاء في خصوص جريمة لم تقع محاكمته عنها وطالما أن اجل تتبعه لم يسقط بمرور الزمن فمن حق النيابة العمومية تتبعه ايضا من اجل الجرح على وجه الخطئ.
3/ في خصوص حق المحكمة العسكرية في التعهد بمحاكمة المدنيين:
الملاحظ ان قانون المرافعات و العقوبات العسكرية كجل القوانين المقارنة في الدول الأكثر ديمقراطية في العالم يسند للمحكمة العسكرية اختصاصين اختصاص موضوعي يتعلق بطبيعة الجريمة بقطع النظر عن صفة مرتكبها واختصاص شخصي يهم فقط العسكريين ومن شابههم من عسكريين متقاعدين وطلبة الاكاديمية العسكرية وغيرهم.
ومن ضمن الإختصاص الموضوعي ينص الفصل 5 في الفقرة 5 من مجلة المرافعات و العقوبات العسكرية على مايلي: ” …ويمكن منح هذه المحاكم بموجب قانون خاص حق النظر في جميع أو بعض الجرائم المخلة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي.”
هذا وقد نص الفصل 22 من قانون عدد 70 لسنة 1982 مؤرخ في 6 أوت 1982 المتعلق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي
على: ” تحال على المحاكم العسكرية ذات النظر القضايا التي يكون أعوان قوات الأمن الداخلي طرفا فيها من أجل واقعة جدت في نطاق مباشرة العمل ولها مساس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي أو بحفظ النظام في الطريق العام وبالمحلات العمومية والمؤسسات العمومية والخاصة”
وإعتبارا لكون الأفعال الإجرامية المرتكبة في حادثة المطار لها مساس بأمن الدولة وبها أطراف أمنية داخل منطقة حدودية فإن المحكمة العسكرية تتعهد وجوبا بمثل هته القضايا وفقا لأحكام الفقرة 5 من الفصل 5 من م م ع ع.
أما في خصوص دفع و تعلل بعض المحامين و المنظمات من كون المقصود من عبارة “طرف” أمني هو حينما يكون هذا الطرف متهما لا متضررا فإنه من الضروري تذكير هؤلاء أن هذا الجدل قد سبق للدوائر المجتمعة بمحكمة التعقيب أن حسمته في قرار مبدئي و ملزم لكل المحاكم أكدت فيها و أن عبارة طرف وردت مطلقت و عليه فهي تجري على إطلاقها و تنطبق في الحالتين التي يكون فيها عون الأمن متهما أو متضررا.
4/ في خصوص حق محكمة الاستئناف العسكرية في الحكم بالنفاذ العاجل:
المعلوم ان الفصل 35 من م م ع ع كان ينص على : “التعقيب يوقف التنفيذ.”
وبمفعول هذا النص لم تكن احكام محكمة الاستئناف العسكرية قابلة للتنفيذ باي وجه كان ان تم الطعن فيها بالتعقيب لكن وبصدور المرسوم عـدد 69 لسنة 2011 المؤرّخ في 29 جويلية 2011 والمتعلق بتنقيح وإتمام مجلة المرافعات والعقوبات العسكريّة تم الغاء الفصل المذكور بمقتضى أحكام الفصل 4 جديد والذي نص على: “تلغى الفصول 21 و22 و23 و25 و26 و27 و35 و37 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكريّة.”
لكن بمقتضى هذا المرسوم حدثت لخبطة و تناقض بين احكام فصلين قانونين جديدين:
_ بين الفصل 31 جديد والذي ينص على : “يكون للطعن بالتعقيب في الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية نفس الأثر المترتّب عن الطعن بالتعقيب في الأحكام الصّادرة عن محاكم الحقّ العامّ.”.
والمعلوم أن أثر الطعن بالتعقيب في محاكم الحق العام هو النفاذ الفوري للاحكام الاستئنافية
_ وبين الفصل 43 جديد والذي ينص: “تنفذ الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكريّة بعد أربع وعشرين ساعة من صيرورتها باتة”
وهذا التناقض بين هذين النصين ربما يكون مرده سهو المشرع عن تنقيح الفصل 43 بعبارة صيرورة الحكم نهائيا لا باتا لانه بدون ذلك يصبح الغائه للفصل 35 بلا معنى.
لكن بقطع النظر عن كل هذا التناقض بين الفصلين فمحكمة الاستئناف العسكرية كان فطنة لكل هته اللخبطة التشريعية ولهذا فقد قضت بالنفاذ العاجل في منطوق حكمها إستنادا لأحكام الفصل 38 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية والذي ينص: “تجري المحاكمة لدى المحكمة العسكرية وفقا للاجراءات المنصوص عليها في قانون المرافعات الجنائية التونسي”
هذا و قد إقتضى الفصل 173 من مجلة الإجراءات الجزائية على: “اذا كان المظنون فيه بحالة سراح وحكم عليه بالسجن او بالسجن و الخطية جاز للمحكمة ان تأذن فيما يتعلق بعقوبة السجن بالتنفيذ الوقتي…”
وبناء على كل هذا فقد كان حكم محكمة الاستئناف العسكرية القاضي بالنفاذ العاجل في طريقه وسليم من الناحية القانونية.
5/ في خصوص حق محكمة الاستئناف العسكرية في الحكم بالعقاب التكميلي القاضي بحرمان احد المتهمين من ممارسة مهنة المحاماة لمدة خمس سنوات:
المعارضون لتسليط محكمة الاستئناف العسكرية لهذا العقاب التكميلي يدعون أن هذا العقاب اصبح من اختصاص الهيئة الوطنية للمحامين دون غيرها كما ان هته العقوبة التكميلية لا يمكن تسليطها الا في الجنايات والحال أنّ التهم الموجهة على المتهمين فيما يعرف بقضية المطار هي جنح ليس بينها أية جناية.
لكن اعتقادي أن هذا الموقف غير صائب لعدة اعتبارات أولها أن الحرمان من مهنة المحاماة الذي تسلطه هيئة المحامين على منظوريها هو عقاب أصلي و ليس عقاب تكميلي وهو أيضا عقاب تأديبي لاقتصار نظرها في تتبع المحامين في الجانب التأديبي دون الجانب الجزائي أو جانب المسؤلية المدنية في حين أن الحرمان من مهنة المحاماة المسلط من محكمة الاستئناف العسكرية هو عقاب التكميلي وليس أصلي وهو ايضا عقاب جزائي وليس تاديبي وذلك بصريح الفصل 5 من المجلة الجزائية.
فالحرمان من مباشرة احدى المهن يمكن أن يسلط تأديبيا أو جزائيا دون امكانية الحديث عن تداخل الاختصاصات بين المحاكم و الهيئات المهنية.
أما في خصوص كون هذا العقاب التكميلي لا يسلط الا على مرتكب الجنايات فمن الضروري تذكير أصحاب هذا القول بان من ضمن الجرائم المنسوبة للمتهمين هي الواردة في الباب المتعلق بهضم جانب موظف عمومي وأن الفصل 130 من المجلة الجنائية الوارد في هذا الباب نص على: “يسوغ في كل الصور المقرّرة بهذا القسم الحكم بالعقوبات التكميلية المقرّرة بالفصل 5”
اعتقادي ان قرار محكمة الاستئناف العسكري كان قرارا صائبا من الناحية القانونية في كل ما قضى به واعتقادي أيضا أن الطعن فيه بالتعقيب لن يفضي لنقضه لانه يصعب على محكمة التعقيب ان تناقض نفسها و تنقض قرار اصدرته بنفسها وهو كون المحكمة العسكرية هي الوحيدة المختصة فيما يعرف بقضية المطار.
هذا اجتهادي الشخصي في الموضوع لا أكثر ولا أقل.





