قمّة… وبعد ؟ أ.سليم مصطفى بودبوس

قمّة… وبعد ؟ أ.سليم مصطفى بودبوس

8 نوفمبر 2022، 18:00

  بعد طول انتظار، ها هي القمّة العربية المنتظرة، تنعقد في الجزائر العاصمة بعد تأجيلها بسبب جائحة كورونا، وغيرها من الأسباب. ها هي أخيرا قمّة ” لمّ الشّمل” كما أطلقت عليها الدولة المستضيفة ترى النور وتنعقد بالرغم من اعتذار بعض رؤساء الدول العربية وملوكها عن الحضور والاكتفاء بحضور من ينوبهم. ها هي تجتمع بحثا عن لمّ الشّمل. فما مدى اهتمام الرأي العام العربي والأجنبيّ بهذه القمم، وماذا عن انتظارات الشارع العربي منها؟ وهل فعلا نجحت الجزائر في لمّ الشمل، وخرجت بشيء آخر غير المألوف؟

يكاد ينعقد الإجماع على أنّ خبر انعقاد القمّة العربية لم يعد، كما كان، موضوعا مهمّا يستأثر باهتمام الرأي العام العربي، فما بالك بالأجنبيّ. ولعلّ غياب القادة العرب الكبار الذين صنعوا يوما ما تاريخا عربيّا ناصعا أحد أسباب انطفاء وهج هذه القمم؛ فأين الملك فيصل بن عبد العزيز؟ وأين الزعيم القومي جمال عبد الناصر؟ بل أين صدام حسين؟ وأين ياسر عرفات؟ أين هواري بومدين؟ أين الحسن الثاني؟ أين الحبيب بورقيبة؟ وأين العقيد معمّر القذافي؟ أين أولئك الذين كانوا يتجاذبون الصف العربي بين الشرق والغرب، كلّ أولئك رحلوا ورحلت معهم ومع زمنهم نكهة متابعة القمم العربية.

كما لم يعد الشارع العربي ينتظر شيئا من هذه القمم؛ فطويلا ما عاشت الشعوب العربية تحت وهم “الأمة الواحدة” وشعار “المصير المشترك”، وحلم “لمّ الشمل العربي”، من أجل”الرقي بالعمل العربي المشترك”… كل ذلك ذهب هباء منثورا؛ فها هي معظم الشّعوب العربيّة ترزح تحت وطأة الفقر وتعاني ويلات الجهل والأميّة والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، ولم تسمع قرارا واحدا أو توصية لفائدة رقّي هذه الشعوب، قد أخذت مجراها نحو التنفيذ. لا، ولم نسمع، إزاء الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، غير التنديد والشجب بعد أن لانت “لاءات” الخرطوم، وفشل العرب في أن يكونوا رقما صعبا  في المعترك الدولي… وهكذا، يئست الشعوب من هذه القمم، وسخرت منها، بل ودعت الله أن يزيح هذه الغمّة عن هذه الأمّة! 

الجزائر العزيزة على قلوب العرب جعلت لمّ الشمل غاية هذه القمة؛ كيف لا وهي تعلم علم اليقين مدى التصدّع العربي بالرغم من وجود دولنا على نفس الخريطة. لكنّك لا تكاد تجد دولتين عربيّتين متجاورتين إلا وبينهما نزاع حدودي أو غير حدودي أو تحالفات مشبوهة لا تخدم مصلحة الجار العربي، بل أحيانا حروب لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد، حروب لم يكن ينقصها سوى تيّار التّطرّف الدينيّ والطائفيّ والقبلي الذي طفا على خارطة دول العالم العربي مشرقا ومغربا حتى كاد يأتي على الأخضر واليابس في العقد الماضي.

الجزائر مستضيفة القمّة والداعية إلى لمّ الشّمل العربي تعي جيدا حجم الشروخات والخلافات المتناسلة وهي التي تكابد ويلات هذه الخلافات؛ فلا هي،مثلا، توصّلت إلى حلّ النزاع الحاصل بينها والمغرب منذ قرابة نصف قرن بسبب قضيّة “الصحراء الغربية”، ولا هي استطاعت أن تبدّد مخاوف دول الخليج العربي بسبب موقفها من إيران، ولا هي تجاوزت خلافاتها مع مصر بسبب علاقاتها مع إثيوبيا وموقفها من سدّ النهضة، ولا هي استطاعت أن تبعث الحياة في ذلك الكيان الميت إكلينيكيا والمسمّى اتحاد المغرب العربي، خاصة بعد انحياز تونس مؤخرا إلى موقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية… ولا هي استطاعت أن تساعد ليبيا على تجاوز أزمتها السياسية. وليست هذه القراءة في علاقات الجزائر الخلافية مع أخواتها العربية سوى عيّنة واحدة لأعضاء هذا الجسد العربي الذي كان يوما ما يتداعى بعضه لبعض بالسهر والمعونة كلّما اشتكى أحدهم من الحمى أو قلّة المؤونة. 

ولكن بالرّغم من كلّ هذه التحديات، انعقدت القمّة في الجزائر بعد مؤشرات إيجابية لجسر الفجوة بين بعض الدول العربية؛  فقد عُقدت القمّة بعد اتفاق المصالحة الخليجيّة الذي جرى التوصّل إليه في مدينة العلا، في المملكة العربية السعوديّة، في يناير 2021، وبعد التوصّل إلى اتّفاق مصالحة جديد بين الفصائل الفلسطينيّة برعاية جزائريّة، في أكتوبر 2022، ساهم ذلك في إعادة القضيّة الفلسطينيّة إلى دائرة الاهتمام العربيّ. وانعقدت القمّة بحضور مغربيّ بالرغم من كل العوائق، انعقدت بمن حضر دون غياب أو مقاطعة -ماعدا سورية لأسباب أخرى- أملا في لمّ الشمل العربيّ، وتحريكا للمياه الراكدة.

ومقارنةً بنتائج القمم العربيّة السابقة لم تخرج قمّة “لمّ الشمل” في الجزائر عن المألوف؛ سواء كان ذلك من حيث الحضور ومستوى التّمثيل، أو من حيث التّوصيات التي وردت في البيان الختاميّ؛ ذلك أنّ حجم الخلاف والتباين في الآراء والمواقف بشأن القضايا العربيّة الكبرى لم يساعد هذه القمّة العادية  وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الجزائر من تحقيق أهدافها المرجوّة.

 ولا يبدو تنفيذ البنود الواردة في البيان هيّنا ولا سيّما المتعلّقة بالأزمات العربيّة الممتدّة من العراق وسورية ولبنان إلى اليمن وفلسطين مرورا بالسودان ومصر وليبيا وصولا إلى المغرب وموريطانيا… حيث سيظلّ تفعيل هذه البنود رهين تضافر إرادات كل دول الجامعة وقدرة الجزائر على متابعة تلك البنود والملفات إلى حين انعقاد القمة العربية القادمة.

       في هذه العتمة المربكة، قد تكون المصالحة بين الفصائل الفلسطينية نقطة الضوء الوحيدة على أمل أن يمتدّ إشعاعها. فهل ستصمد هذه المصالحة؟ أم سيكون مصيرها مصير الاتفاقات السابقة؟

مواضيع ذات صلة