لكل حجر ذكرى : تأملات في التراث التونسي..بقلم : محمد جمال الشرفي

لكل حجر ذكرى : تأملات في التراث التونسي..بقلم : محمد جمال الشرفي

10 أوت 2026، 20:45

في تونس، التراث ليس ديكورًا سياحيًا بسيطًا مجمدًا عبر الزمن: إنه ذاكرة حية، منقوشة في نسيج البلاد ذاته. كل حجر، كل جدار، كل جبل يحمل في داخله القصة الصامتة لأجيال عاشت، وبنت، وصلّت، ومضت. إن فهم هذا التراث يعني تعلم قراءة لغة نقشها الزمن في المشهد نفسه.
الحجر شاهدا
إن الحجر المنحوت في قرطاج أو دقة أو في مدينة عمرها قرون لا يعد أبدًا جسمًا خاملًا. لقد تم اختياره ونقله ونحته بواسطة يد بشرية بهدف: بناء معبد، ورفع منزل، وإقامة سور. لقد نجا هذا الحجر من قرون وفتوحات وزلازل وإهمال بشري. فهو يحكي بأشكاله البالية ونقوشه الممحاة أحياناً، حضارة بأكملها. إن إهمال هذا الحجر هو السماح بمحو فصل كامل من تاريخنا الجماعي.
الجدار، حارس الحياة اليومية
إذا كان الحجر المعزول يحكي قصة لفتة، فإن الجدار يحكي قصة حياة بأكملها. لقد كانت جدران المدن والقصبات والبيوت التقليدية أو التحصينات بمثابة مأوى لأجيال من الأجداد: أفراحهم، وأحزانهم، وعاداتهم اليومية، ومهنهم، ومعتقداتهم. لقد شهد الجدار ولادة أطفال، أو سماع أحاديث، أو مقاومة الغزوات، أو استضافة أسواق مزدحمة. إنه يحمل الآثار غير المرئية لكل هذه التجربة الإنسانية المتراكمة، وهذا التراكم بالتحديد هو الذي يمنحه قيمته: الجدار ليس جديدًا أبدًا بمعناه العميق، فهو دائمًا مليء بالتاريخ.
الجبل كإسقاط سينمائي للماضي
وعلى نطاق أوسع، تلعب الجبال التونسية دورًا سينمائيًا تقريبًا. لقد لاحظوا، بلا حراك وصمت، مرور الحضارات: البربر، الفينيقيين، الرومان، العرب، العثمانيين، حتى التونسيين اليوم. إن النظر إلى جبل يشبه إلى حد ما مشاهدة فيلم صامت صورته الكهوف المسكونة، ودروب القوافل، والقرى الملتصقة بجوانبه. إنها المسرح الثابت الذي تم فيه عرض القصة العظيمة لأسلافنا، فصلاً تلو الآخر.
الكتاب والنقش ثروة في خطر
وتشكل المخطوطات القديمة والنقوش الحجرية بعدا أساسيا آخر لهذا التراث. إنهم الأثر المكتوب، الطوعي والواعي، الذي أراد أجدادنا أن يتركوه للأجيال القادمة. نقش ليبي أمازيغي، مسلة بونيقية، مخطوطة دينية أو إدارية: كل من هذه القطع تشهد على ثروة فكرية وثقافية هائلة. لكن هذه الثروة هشة اليوم. إن التآكل ونقص الصيانة والتخريب والتحضر غير المنضبط واللامبالاة يهدد هذه الآثار الثمينة أكثر فأكثر كل يوم. ما بقي لقرون يمكن أن يختفي في عقود قليلة من الإهمال.
وبدون التاريخ لا مستقبل
يؤدي هذا التفكير إلى حقيقة أساسية: إن الشعب الذي يفقد تاريخه يفقد أيضًا القدرة على بناء مستقبله. التاريخ ليس ثقل الماضي، بل هو الأساس. إنه يعطي الهوية والشعور بالانتماء والاستمرارية بين الأجيال. وبدون هذه الاستمرارية، يصبح المستقبل غامضا، ومقتلعا، بلا اتجاه واضح. وبالتالي فإن الحفاظ على التراث لا يقتصر فقط على حماية الحجارة أو الجدران: بل يتعلق بحماية قدرة الناس على إبراز أنفسهم نحو الغد من خلال معرفة من أين أتوا.
احتفظ بها لتمريرها
ويصبح الاستنتاج واضحًا: من الملح الحفاظ على هذا التراث، ليس كواجب مجرد تجاه الماضي، بل كعمل ملموس للمسؤولية تجاه المستقبل. إن كل موقع أثري تم ترميمه، وكل مدينة تم إعادة تأهيلها، وكل مخطوطة رقمية، وكل جبل محمي، هو هدية للأجيال القادمة. من حق أطفالنا أن يرثوا ما بناه أجدادنا ونقشوه ونقلوه. والأمر متروك لنا، اليوم، لضمان أن تستمر هذه الذاكرة الحجرية في رواية قصتها، بعد فترة طويلة من ظهورنا.

مواضيع ذات صلة