لماذا تدنّت الذائقة الموسيقية لدى التونسي ؟ …سامي النيفر
كل من يحضر مناسبات عامة أو خاصة أو حتى يصله صوت موسيقاها وغُناها يندهش من حضور نفس النوع ونفس اللون في كل الحفلات رغم اختلاف الفرقة الموسيقية والمناسبة المحتفل بها فسواء كان زفافا أو نجاحا أو حتى طهورا فالأغاني prototype من نفس الفصيلة… وربما لا يستطيع حتى أهالي الحفل أن يبدلوا فيها ولو أنهم راغبون فيها بصفة عامة لأن ذلك ما ينعش ضيوفهم وذلك ما يطلبه الناس على اختلاف ألوانهم وطبقاتهم… المزود والربوخ والغناء الشعبي أصبح هو الطاغي من أول الحفل إلى آخره رغم أنّ بعض الكلمات والألحان تقشعرّ لها الأبدان.. كلهم يحبّ الدّلّاجي وشيرين اللجمي وزازا وغيرهم من المهرّجين.. بل بعضهم يحب أن يسمع في زفافه “خاينة وما تتصافيش” و”قالوا الطفلة خطبوها” مع عبارة “يا حمة برا لبوها” (للوهلة الأولى نسمعها يا حفّار القبورة !).. وطيلة الحفل البهيج تسمع “عايروني بيك يا حمة”، “بابايا وعرفاته”، “أوّح أوّح صوتي بحّ”، “أنا مش مريقل وإنتِ مش مريقلة”، “يا مولاة البوسة خالة”، “اشطح ربي معاك”، ومعهم زازا التي تتأوّه في أغنيتها الطربية… هل نتحسر على الفن الشعبي عندما كان أكثر تهذيبا أو عندما كان مستهجنا وغريبا إلى حدّ ما زمن فوزي بن قمرة وفاطمة بوساحة ؟ في التسعينيات كانوا يعايرون من يستمع إلى راغب علامة وعاصي الحلّاني وكاظم الساهر وإيهاب توفيق معتبرين فنّهم انحدارا بالذائقة فماذا نقول اليوم إذًا ؟ وحتى لو افترضنا جدلا أن المزود رائع فيجب أن يكون هناك تنوع في الأنماط الموسيقية أما ما يحبه الجمهور فهي كلمة خاطئة لأن المستمع على ما تربّى وعلى ما يسمع فلو أسمعناه طربا طول الوقت لعشقه ولو أسمعناه نهيق الحمار أو الضفادع فسيعجبه وسيتّبعه كما يقول المثلان الشعبيان… إنها حملة ممنهجة لإفساد شخصية التونسي وثقافته وذائقته على مستوى الموسيقى أو المسرح أو الأدب أو المسلسلات… إنها حرب شعواء على الأذن المثقوبة بسيء الكلام ورديء الألحان ونشاز الأصوات… وما علينا إلا العودة لأغاني محمد عبد الوهاب والهادي الجويني وعبد الحليم حافظ ومحمّد الجمّوسي وشارل أزنافور وخوليو إغليسياس وجو داسّان وسيلين ديون وغيرهم كثير لمعرفة الفرق بين الثرى والثريا… أمّا أن نفرض على الناس ونهدّم شخصياتهم وكياناتهم وأذواقهم وحتى أخلاقهم فهو ما لن يتسامح معه التاريخ الذي يصفّي ويغربل طال الزمن أم قصر. “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ” الرّعد 17.





