لماذا نتحدّث بتشنّج وانفعال؟… بقلم سامي النيفر
لطالما راودني هذا السؤال وأنا أستمع إلى التونسيين وأبدأ بنفسي التي لا أبرّئها من هذا العيب.. إنّ من أوّل ما يتعلّمه الطفل الصّغير تنغيم كلامه والوقوف عند الفواصل والنقط والحديث المتوازن بصوت جميل، هادئ ورصين..
بل إننا نحرص على أن يعطي لمخارج الحروف حقها سواء في العربية أو الفرنسية أو غيرهما من اللغات وأن ينطق الكلمات جيدا، وأن يعبّر بالإشارات والإيماءات. وقبل ذلك كلّه، نعلّمه أن يستمع إلى غيره وألّا يتدخّل إلّا بعد إنهاء الآخر كلامه.. وبعد هذا وقبله، عليه أن ينتقي ألفاظه وأن يختار أنسبها والتي تتماشى مع السياق، وأن يكون مهذّبا ومؤدّبا، محترما لنفسه وللآخرين وأن يحسن تبويب أفكاره.. أذكّر أنّنا نتحدّث عن القدرات التي من المفترض أن يملكها طفل صغير، ولكنّنا لا نجدها عند الكبار والنخبة فما بالك باليافعين والعامّة..
والثابت والأكيد أنّنا نتأثّر ببعضنا البعض وأنّنا نحن العرب متحمّسون وأحيانا متشنّجون سريعو الانفعال.. ومع ذلك، ربما تجد الخليجيين أقلّ تشنّجا وأكثر هدوءا في كلامهم، والأمر نسبي على كل حال.. انظروا إلى حديث الأئمّة وكيف يصرخون في خطب الجمعة.. انظروا إلى حديث السّياسيّين وعصبيّتهم حتى لا أقول بذاءتهم.. انظروا إلى التعليق الرياضي الصّاخب، تعليق التهريج وما يطلبه روّاد المقاهي وكأنّها حرب تقطر فيها الدّماء وليست مباراة رياضية.. انظروا إلى حديث الإعلاميين والبلاتوات التلفزية السياسية، الاجتماعية، وحتى “الثقافية” إن كان لنا أن نسمّيها كذلك.. انظروا إلى التجار والأسواق والإدارات والمحاكم.. انظروا إلى السادة المحامين الذين كلما ارتفع صوتهم إلّا وأحسّوا أنهم ناجحون أكثر.. انظروا إلى صغارنا وكثرة صخبهم اللامألوف وغير العادي وصياحهم وشجارهم وعنفهم وغلظتهم التي لا ذنب لهم فيها إلّا أنّهم ورثوها عنّا في الغالب.. وطبيعي أن يمرّ ذلك إلى الأساتذة والذين يجبرهم جوّ القسم على الصراخ والانفعال أحيانا.. يقال إنّ المربّي إذا كان صاخبا سيمرّر ذلك إلى المتعلّمين، ولكن العكس صحيح أيضا. فمهما كانت برودة دم الأستاذ، لا بدّ له أن يصيح بل لعلنا نعتبر المدرّس الذي يتحدّث بهدوء باردا وغير ناجح ولو فعل ذلك حتى ينصت له الأطفال، قد يحصل العكس ويتجاهلونه مدّعين أنّ صوته خافت وهم لا يقدرون على سماعه فيزيد الهرج ! على أنّ من كان درسه ممتعا سيجذب المتعلّمين أحيانا كثيرة.. خلاصة القول، لماذا لا نتحدّث بهدوء وبتنغيم سليم كأنه الموسيقى الجميلة ونعبّر بألفاظ حسنة نجيد انتقاءها وتكون حركاتنا موزونة فلا نكثر من الإيماءات ونقلل من الانفعالات ونرقّق الأصوات حتى نوصل أفكارنا في أحسن الحالات ؟
دّث بتشنّج وانفعال ؟





