مجرد رأي : بين النقابي والسياسي، خيط رفيع (الجزء العاشر)… المنجي عطيّة الله
في خاتمة الجزء التاسع، بلغنا حقبة تحول السابع من نوفمبر عام 1987 الذي قاده زين العابدين بن علي وشركاؤه بدقة وسرية تامة وٱعتلى بفضله دكة الرئاسة بتأييد شعبي كبير آنذاك، بعد أن أوشكت الدولة على الانهيار في ظل عجز بورڨيبة عن إدارة شؤون البلاد وبالتوازي بلوغ الصراع حول خلافته ذروته. الرئيس بن علي ابن الدولة الوطنية كان مدركا لأوضاع البلاد والعباد وقد ساعده على ذلك تدرجه في سلم المسؤوليات العليا في الدولة، من الإدارة العامة للأمن الوطني إلى سفير في بولندا ثم عودة إلى المسؤولية الأمنية فوزيرا للداخلية قبل تسميته على رأس الوزارة الأولى وهي مناصب خولت له ٱكتشاف دواليب الدولة ومعايشة مشاكلها من الداخل ومحطات مكنته طيلة فترة رئاسته من التعامل بفطنة وٱتزان مع مختلف الملفات خاصة منها الملف الاجتماعي بإحاطة من مستشاريه الذين ٱختارهم على أساس الخبرة والكفاءة والانضباط.
زين العابدين بن علي كما لا يخفى على أحد كان أدرى المحيطين به، بحجم المنظمة الشغيلة “الاتحاد العام التونسي للشغل” وموقعها المؤثر في الشارع التونسي وفي الخيارات الاقتصادية للدولة من خلال نفوذها “القسري” في سير المؤسسات العمومية بمختلف تصنيفاتها والذي يمتد إلى الشركات الصناعية والتجارية الخاصة التي تعد جميعها المحرك الأساسي للتنمية. الاتحاد كما لا يخفى على أحد يستمد صلابته وأحيانا “عنتريته” من حق الإضراب الذي يكفله الدستور ويعتبره السلاح الأهم في مواجهة أرباب العمل، دولة كانت أو أشخاصا طبيعيين أو معنويين.
سلاح الإضراب تستعمله النقابات القطاعية أو المركزية النقابية في أغلب الأحيان للمطالبة بحقوق منخرطيها المادية والمعنوية ولكن في مواضع أخرى يكون ٱلاحتجاج في علاقة بالتوجهات الاقتصادية وهذا الموقف تغتاظ منه السلطة وترى فيه خروجا للمنظمة عن دورها الأساسي وتدخلا غير مبرر في الشأن السياسي. الرئيس بن علي، للتاريخ، كان يهاب الاتحاد ويعتبره بمثابة الحزب المعارض القوي بقواعده التي تتوزع على كل مواقع الإنتاج وأكثر من ذلك قدرته على التعبئة الجماهيرية وأكيد أن مرد هذا الخوف تجربته الميدانية مع أحداث الخميس الأسود جانفي وٱنتفاضة الخبز عندما كان مديرا عاما للأمن الوطني كما لا ننسى أن بن علي كان شاهد عيان على بداية تحركات نقابة تضامن بقيادة ليش فاليسا التي أطاحت فيما بعد بالنظام الشيوعي في بولندا عندما كان سفيرا في وارسو من الف وتسع مئة وثمانين إلى جانفي ألف وتسعمئة وأربعة وثمانين تاريخ الاستنجاد به في تونس عند ٱندلاع ٱنتفاضة الخبز للعودة إلى الإدارة العامة للأمن الوطني. لذلك سعى بن علي منذ الأيام الأولى من رئاسته للدولة إلى ٱستمالة الاتحاد ومن ورائه بقية مكونات المجتمع المدني بحركة “إنسانية” تتمثل في الإفراج عن الزعيم الحبيب عاشور رمز المنظمة الشغيلة الذي كان تحت الإقامة الجبرية بقرار من “المجاهد الأكبر” كما سمح للقياديين بالتحضير لمؤتمرهم الاستثنائي لٱستعادة شرعية منظمتهم وهذا ما حصل في مدينة سوسة عام الف وتسعمئة وتسعة وثمانين حيث تم ٱنتخاب إسماعيل السحباني أمينا عاما. وهكذا فتح بن علي صفحة جديدة تميزت بعودة الاتحاد إلى عرين السلطة خاصة بعد إبرام اتفاقية الصلح التي تنص على دورية المفاوضات بين ممثلي الاتحاد والحكومة كل ثلاث سنوات لمناقشة وتحديد مبلغ الزيادة في الأجور بالنسبة لأعوان القطاع العام والوظيفة العمومية يتم تقسيمه على ثلاث دفعات ينتفع بها الأعوان شهريا. إسماعيل السحباني وهو في صحفة العسل مع النظام أعيد ٱنتخابه في منصبه في مؤتمري ثلاث وتسعين وتسع مئة وألف وتسع وتسعين وتسعمئة والف لكن مسيرته مع المنظمة الشغيلة انتهت به في السجن عام ألفين بعد أن أحيل على القضاء بسبب ملفات فساد أثارها قياديون في المكتب التنفيذي ولم يشفع له بن علي رغم علاقة “الود” التي كانت تربط الرجلين حتى لا يتهم بالتدخل في القضاء وفي الشأن النقابي أو هذا ما أراد الإيهام به. في تلك الفترة تسلم المشعل عبد السلام جراد الذي أكمل بقية الفترة النيابية ثم تم ترسيمه في مؤتمر ألفين وٱثنين وأعيد ٱنتخابه في مؤتمر ألفين وستة. والملاحظة البارزة التي يمكن الخروج بها طوال هذه الفترة التي ٱمتدت من تحول السابع من نوفمبر سبعة وثمانون وتسع مئة وألف حتى قبل اندلاع الثورة الشعبية بأيام لم نشهد تحركات عمالية بمقياس أحداث الخميس الأسود وٱنتفاضة الخبز إذ عرف بن علي كيف يتعامل مع خصومه السابقين خلافا لما كان عليه الأمر عندما ٱضطلع بمنصب المدير العام للأمن الوطني في المناسبتين قبل ان يصبح وزيرا للداخلية حيث كانت معالجته للأزمتين بقوة الحديد والنار. الرئيس بن علي يبدو أنه اتعظ من التجربتين وٱختار وهو على رأس النظام طريق الحوار بعد أن أيقن أن الاستقرار الاجتماعي والأمني هو الضامن لتنفيذ التوجهات الاقتصادية للدولة لأن في نجاحها خلقا للثروة وتشجيعا على الإنتاج وبالتالي كسب ثقة رجال المال والأعمال في الداخل والخارج للإستثمار في تونس. وهكذا يمكن القول إنّ بن علي عرف في تعامله مع المنظمة الشغيلة من أين تؤكل الكتف وٱستعمل كل الوسائل السلمية المتاحة بما فيها الإغراءات وهي ميزة الكواليس دون الدخول في التفاصيل. في فترة عبدالسلام جراد تواصلت العلاقة مع الحكومة هادئة منسجمة ومتناغمة إلى حد تأييد ترشيح بن علي لولاية رابعة عام 2004 ونعرف أن المناشدة في تلك الفترة تعد من شيم “الكبار”. وهكذا بقي الاتحاد محصورا في الزاوية يراقب بتركيبته التي تجمع بين مختلف التيارات السياسية يمينها ويسارها وٱعتدالها في صمت ما يحدث من متغيرات في الساحة من ٱختلال في المسار الاقتصادي والاجتماعي بدأت هوته تتسع نحو المجهول. مع تقدم السنوات بدأ التململ يصيب الجسم النقابي وأصبحت النقاشات في صلب المنظمة تكاد تقتصر على الأوضاع التي سادت البلاد من تراجع مستوى العيش وٱستفحال البطالة إلى الفساد الذي أصبح ينخر ٱقتصاد البلاد الذي أصبحت تتحكم فيه عائلات بعينها قريبة من السلطة وفي مقدمتها عائلات وأصهار بن علي والطرابلسية بعد أن ٱستحوذت على جزء هام من ثروات ومقدرات البلاد. فحسب تقرير للبنك الدولي عام أربعة عشر والفين كانت “القبيلة العائلية” تضع يدها على واحد وعشرين بالمئة من ٱقتصاد البلاد. أوضاع ألقت بظلالها على الشارع التونسي ٱلذي ٱشتعل مع الشرارة الأولى التي فجرها محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد عندما أحرق نفسه أمام مقر الولاية بعد أن تعرض للإهانة والمنع من العمل في بيع الخضار بٱستعمال عربة مدفوعة، من قبل عون التراتيب البلدية (من جنس الإناث). الحقيقة وللتاريخ لابد من التصريح بعيدا عن التلميح أن الاتحاد بعد وقفة التأمل التي طالت بعض الشيء ومتابعة ما يجري في البلاد وبعد أن عمت المظاهرات والاحتجاجات كل أرجاء الوطن، لم يلق بثقله في الشارع في بداية التحركات وأوجها إلا يوم الثاني عشر من جانفي أحد عشر وألفين عندما قاد مظاهرة في صفاقس ببضعة آلاف في البداية تحولت إلى ما يناهز المئة ألف بٱنضمام أبناء الجهة بكل شرائحهم وفئاتهم العمرية والذين خرجوا من أجل إيقاف نزيف الفساد وأيضا كرد فعل على ما تعيشه جهتهم من تلوث تسبب على ٱمتداد عقود في إصابات بالآلاف بأمراض السرطان والجهاز التنفسي عفاكم الله فضلا عن التهميش والإهمال على مستوى البنية التحتية. وهكذا يتضح بالمعاينة والتقدير أن الاتحاد ركب على الأحداث بعد سنوات القرب من النظام وكلنا يدرك تمام الإدراك أن الثورة ٱندلعت من رحم سيدي بوزيد وأهاليها ثم ألهب نيرانها الشعب المفقر والشباب المعطل عن العمل والتحق بالركب من ٱلتحق من الأحزاب والحزيبات ومنظمات المجتمع المدني خاصة في اليوم الأخير أمام مقر وزارة الداخلية ليطلقوا الكلمة الرمز “ديڨاج” ويسجلوا حضورهم في محاولة يائسة للتسلل إلى صفحات التأريخ.





