مجرد رأي : بين النقابي والسياسي خيط رفيع (الجزء 15) منجي عطية الله

مجرد رأي : بين النقابي والسياسي خيط رفيع (الجزء 15) منجي عطية الله

28 فيفري 2023، 20:46

مواصلة لمتابعتنا للعلاقة الجدلية بين المنظمة الشغيلة و حكومات ما بعد الإستقلال و خاصة منذ سبعينات القرن الماضي مروراً بسلطة الترويكا التي تربعت على “العرش” بعد الثورة وصولا إلى ولاية قيس سعيد التي تأسست منذ حراك الخامس و العشرين من جويلية ، إنتهينا إلى المؤتمر الإنتخابي للإتحاد في أواخر جانفي 2017 الذي جاء بنور الدين الطبوبي أمينا عاما خلفا لحسين العباسي و كان من أوائل خطواته ، مواصلة الضغوطات التي مارسها إتحاد العباسي على الحكومة ، في إطار تقييمه لأداء بعض الوزراء من وجهة نظره بل حتى حيال التعيينات ، و النتيجة ٱنصياع رئيس الحكومة يوسف الشاهد ” لسلطانه ” هروبا من المواجهة ، بأن أقال وزير التربية ناجي جلول الذي وقف في وجه الجامعة العامة للتعليم الثانوي التي يقودها إلى اليوم الأسعد اليعقوبي ، حفاظا على هيبة المؤسسة التربوية و إبعادها عن التجاذبات النقابية التي وصفها جل المراقبين بالمسيسة ، و بالتوازي أقال الشاهد وزيرة المالية لمياء الزريبي بدعوى تراجع قيمة الدينار في السوق المالية مع أن بعض المحللين لم يستبعدوا وقتها ٱرتباط الإقالة بمطالب الإتحاد الذي أسهب في التضييق على “منافسه” في تدخل مباشر في مهامه السياسية و بلغ به الأمر إلى رفض تعيين رجل الأعمال وعضو المكتب التنفيذي لٱتحاد الأعراف خليل الغرياني على رأس وزارة الوظيفة العمومية و الحوكمة خلفا لعبيد البريكي و نذكر أن الإتحاد أرجع في بيانه هذا الصد ، إلى كون هذا التعيبن يعد ٱستفزازيا للأعوان العموميين الغاية منه ضرب مكاسبهم و تنفيذ رغبة الحكومة في التفريط في المرفق العمومي تلبية لأحد شروط صندوق النقد الدولي
في رد منظمة الأعراف صرح وقتها سليم غربال عضو المكتب التنفيذي ( 1 مارس 2017) بأن قرار ٱنضمام سليم الغرياني إلى حكومة الوحدة الوطنية هو قرار شخصي لا دخل فيه للإتحاد التونسي للصناعة والتجاربة و الصناعات التقليدية .
إتحاد الطبوبي نجح في ممارسة ضغوطاته على رئيس الحكومة يوسف الشاهد و كسب من ورائها “المعركة النفسية” التي مكنته من ٱحتلال موقع مؤثر في المشهد السياسي و أصبح له دور مزدوج نقابي – سياسي .
في أوت 2017 أعلنت حركة النهضة أن رئيسها راشد الغنوشي التقى بمقر الإتحاد النقابي لعمال المغرب العربي ، نورالدين الطبوبي الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل و تباحث معه حول الوضع العام في البلاد و أضافت الحركة في بلاغ صحفي أن الطرفين أكدا دعمهما لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد و تمسكهما بالحوار و التواصل المباشر و التشاور حول القضايا الوطنية و حول ما عساه أن يستجد من تباين في المواقف بين الطرفين ( الحكومة و الإتحاد )
هذا التواصل السياسي بين النهضة و المنظمة الشغيلة سعت من خلاله الحركة إلى ٱستمالة القوة العمالية ، لتلطيف الأجواء بين الشاهد و الطبوبي بصفتيهما ، و لكن في الحقيقةهي تبحث بطريقتها عن تضييق مجال تدخل محاورها في الشأن الحكومي كما يرى محللون ، لذلك حاولت بقليل من الذكاء إيهام الإتحاد بأنها تقدر حجمه و موقعه في الساحة للمساعدة على إيجاد الحلول للقضايا الوطنية , لٱمتصاص غضبه و غايتها في ذلك تخفيف العبء على رئيس الحكومة.
من جهة أخرى منظمة الشغالين أكدت اللقاء دون ذكر التفاصيل التي ٱستعرضها بيان حركة النهضة و أضافت كذلك حصول لقاء بين أمينها العام و رئيس الحكومة يوسف الشاهد ، تدارس فيه الطرفان الوضع السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي في البلاد .
حتى أضعكم في الصورة ، النهضة و هي تعاين تفكك حزب نداء تونس الذي تزامن مع ٱستحواذها ، بمعية الكتل الموالية لها ، على الأغلبية في مجلس نواب الشعب ، تيسر لها تطويع و ٱستقطاب يوسف ٱلشاهد الذي ٱرتفع منسوب طموحاته إلى السقف و هو يرى نفسه في رعاية حزب “الأغلبية” ، فلم ير حرجا في أن يتمرد على ولي أمره رئيس الجمهورية أنذاك الباجي قائد السبسي بما أن مصلحته لم تعد في ٱنتمائه إلى “النداء” الذي جمد عضويته بعد رفضه الرد على الإستجواب الموجه إليه حول دواعي حياده عن توجهات الحزب وهو ما لم يعره الشاهد أي ٱهتمام .
بعد هذه الزيجة التي وصفها البعض قياسا بزواج المتعة هدأ الصراع و بقي الإتحاد يتابع الوضع عملا بمقولة الشاعر الفرنسي jean de la fontaine “
من يشاهد كثيرا يحفظ كثيرا ” أو هكذا تبادر إلى ذهني . و بما أن الفكر السياسي لا يخلو من المزاجية ، في مارس 2018 و في تصريح
في تصريح حول تقييمه لعمل الحكومة ⁦⁦ وصف نور الدين الطبوبي الأمين العام للإتحاد نتائجه بالسلبية و أعلن أن الإتحاد لن يكون بعد اليوم شاهد زور على تونس و لا يمكن حصر وظيفته في مربع المطلبية البحتة و القبول بالقرارات المسقطة . موقف ، شكل منعرجا في علاقة المنظمة برئيس الحكومة الذي مني بخيبة أمل حسب بعض المتابعين للشأن العام .
يوسف الشاهد المدعوم من حركة النهضة بعد أن فك ٱرتباطه بحزب ” نداء تونس ” كان يرنو أنذاك إلى إسناد الإتحاد له ، للبقاء في المنصب إلى غاية الإنتخابات الرئاسية و التشريعية تسعة عشر و ألفين كخطوة هامة في برنامج خارطة مستقبله السياسي ، تصوره كشخصية ناجحة في ذهنية التونسي في الإستحقاق السياسي المقبل
في الأسبوع الأخير من جوان 2018 عاد الإتحاد للتصعيد تجاه حكومة الشاهد و بخطاب شديد اللهجة أعلم الطبوبي أن الإتحاد لا يتردد في تحريك الشارع و تنظيم ٱحتجاجات قطاعية متهما إياها بتدمير الشعب و تفقيره بتفكيرها الغبي
إتحاد الشغل شدد الخناق على يوسف الشاهد و ساند مسعى حافظ قائد السبسي ( المدير التنفيذي لحزب نداء تونس ) لرحيله بعد أن خان الأمانة و تجاهل ٱنتماءه للحزب الذي ٱختاره لهذا المنصب و رفض الإجابة على ٱستجواب داخلي يتهمه بالخروج عن الخط التوجيهي للحزب و كان الإتحاد دعا إلى تشكيل حكومة جديدة في فيفري2019 ثم قرر الإضراب العام للمطالبة بتحسين القدرة الشرائية لأعوان ألوظيفة العمومية . إضراب تزامن وقتها مع ٱقترأب الإنتخابات التشريعية و الرئاسية 2019 .
النهضة رفضت إقالة يوسف الشاهد بدعوى أنها تقوض مسار الإصلاحات الإقتصادية .
الإتحاد أمعن في تدخله في الشأن السياسي من خلال بيانه الصادر يوم 9 ماي 2019 الذي أعلن فيه إتفاقه مع الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات على وضع كل مقرات الإتحاد المركزية و الجهوية على ذمتها مع التأكيد على حرص المنظمة الشغيلة على ضمان ٱنتخابات ديمقراطية و شفافة و على الحضور المكثف للمقترعين .
هذا البيان سبقته كلمة الأمين العام نور الدين الطبوبي يوم غرة ماي بمناسبة الإحتفال بعيد الشغل التي أعلن فيها بصفة رسمية مشاركة الإتحاد في الإنتخابات التشريعية (2019) مضيفا أنه شرع بعد في إعداد برنامج ٱقتصادي و ٱجتماعي يتضمن رؤيته لما يمكن أن تكون عليها تونس الغد لكن في خطوة أثارت
ٱلتأويل بوجود ٱختلاف داخل المكتب التنفيذي حول الإستحقاق الإنتخابي ، صرح سامي الطاهري الناطق الرسمي للإتحاد لوكالة تونس إفريقيا للأنباء يوم 4 ماي بأن فرضية مشاركة المنظمة الشغلية في الإنتخابات ستكون إما بالترشح أو الترشيح أو بدعم أحزاب دون غيرها و هي نقاط ستنظر فيها الهيئة الإدارية الوطنية في وقت لاحق و نذكر أن الإتحاد لم يشارك في ٱنتخابات 2019 و الواضح أن هناك عقلاء في الإتحاد يدركون أن وضع البلاد لا يشجع على تحمل المسؤولية و المشاركة في الحكم لأن ممارسته على الأرض تختلف عن المعاينة و التنظير و الخوف كل الخوف من الفشل الذي ستكون ٱنعكاساته مدمرة على المنظمة التي تستمد قوتها من القاعدة العمالية الشعبية . هكذا يتبين لنا بوضوح مرة أخرى أن فلسفة الأتحاد العام التونسي للشغل في التعامل مع محيطه لاتفرق بين النقابي و السياسي و أن هاجس الحكم لا يفارقه بل ينتظر الوضع الملائم و اللحظة المناسبة .

مواضيع ذات صلة