مذكــــرة التفاهـــم الأميركيّـــــة الإيرانيّــــــة ووهم الأمن الإقليمي بتغييب القضيّة الفلسطينيّة…ماهــر عبد مـــولاه
إذا تمّ أخيرا (بتاريخ 17/06/2026)، التوقيع على مذكّرة تفاهم بين إيران وأمريكا والتي ربّما ستُفضي الى اتفاق بين الطّرفين بالمعنى القانوني، أي بالتزامات واضحة وهذا مرهون بمستقبل المفاوضات العسيرة والماراطونيّة.
لكن، خلافا لجنوب لبنان التي أصرّت إيران على تضمينه صلب الاتفاق لحمايته ضد اعتداءات الكيان الصّهيوني وتثبيته ضمن ما تعتبره محور المقاومة، وقع إهمال فلسطين. ولم يقع الإشارة لا لغزّة، ولا للحصار، ولا للأسرى…، ولا حتّى للقدس رغم رمزيّتها والتي تشكّل في مشروع ولاية الفقيه (النظريّة المستحدثة في الفكر الشيعي الاثنا عشري)، الشّرعيّة التي من خلالها وقع زرع ودعم جماعات في العديد من الدّول العربيّة باسم مقاومة الكيان الصّهيوني والموت لإسرائيل والموت لأمريكا…
هذه الجماعات التي تستمدّ شرعيّتها من المرشد الأعلى في إيران (الذي يمثّل حجر الزاوية في النظام السّياسي حسب الدّستور الإيراني)، ساهمت في تفتيت النّسيج المجتمعي لبعض الدّول وإضعاف المؤسّسات الوطنيّة، التي تشكو بطبيعتها من اخلالات كنتيجة طبيعيّة لأنظمة سياسيّة مستبدّة، لا تحترم شعوبها وفاسدة.
شخصيّا لم أتفاجئ من هذا الاتّفاق الذي ترك غزّة تواجه مصيرها بنفسها باعتباره يلبّي من جهة ولو جزئيّا، طلبا وجوديّا لدولة الكيان ولتمكينها من مواصلة فرض سيطرتها على القطاع، خاصّة وقد أظهرت المقاومة الفلسطينيّة تفوّقا على أجهزة المخابرات الاسرائيليّة من خلال الاختراقات التي سبقت أحداث طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023).
ومن جهة أخرى، فأمريكا التي تعتبر أنّ الشرق الأوسط جزءا من أمنها القومي، مازالت تُمنّي النّفس أن تكون لإسرائيل اليد العليا في المنطقة، بالعمل على عدم ترك المجال لحلفاء إيران، خاصّة روسيا والصّين إمكانية تعزيز مكانتهما وتغيير قواعد اللّعبة في بُنية العلاقات الدّوليّة وتثبيت نظام عالمي جديد يُنهي السيطرة الأمريكيّة المطلقة.
ومن هنا يمثّل الدّعم الأمريكي لإسرائيل أولويّة في سياستها الخارجيّة على حساب بقيّة الدّول، خاصّة دول الخليج التي تجد نفسها في مأزق استراتيجي، خاصة إن مالت الكفّة لصالح إيران وهذا المسار مازال ضبابيّا ولم يتّضح بعد.
لكن، لماذا، وهنا يعتبر السّؤال جوهريّا، لم تصرّ إيران على الدّفاع عن غزّة (التي لم يعد لها أيّ سند)، كما فعلت مع لبنان، خاصّة بعد الدّخول في المسار الذي أوكل إلى مجلس “السّلام” (الذي أنشأ سنة 2026)، مستقبل إدارة القطاع؟
ومعلوم أن هذا المجلس الذي يحمل سرديّة الإعمار والبناء واحلال السّلام…، أتى في حقيقة الأمر لتصفية القضيّة الفلسطينيّة، ولهذا وقع رفضه من جميع فصائل المقاومة في قطاع غزّة وكذلك من عدّة دول من أوروبّا وأمريكا وأفريقيا..
يمكن القول هنا ببساطة تلك “حدود الله”، وذلك يعني أنّ إيران ليس باستطاعتها فرض الشّرط المتعلّق بغزّة في مذكّرة التفاهم. لكنّ هذه الإجابة غير مقنعة لعدّة أسباب، فهي من جانب تتناقض جوهريّا مع ما تدّعيه إيران بأنّ غزّة ساحة من ساحات المقاومة (أي ما أطلق عليه بوحدة الساحات، الشعار الذي رافق حرب الإبادة ضد غزّة). ومع ما أشرنا إليه سابقا، بأن مشروعيّة تصدير الثورة الايرانيّة منذ 1979، هدفه نُصرة المستضعفين (والمقصود هنا الفلسطينيّين) وتحرير القدس والأقصى، أولى القبلتين للمسلمين باختلافاتهم وبتنوّعهم.
وتحرير القدس يقتضي منطقيّا تثبيت، ولو احتياطيّا، هذا المكان المقدّس في الاتفاق الإطاري بين أمريكا وإيران من خلال المفاوضات كما هو الحال لحزب الله في لبنان. وأظنّ أنّ معظم النّاس يتطلّع الى هذه المسألة، حيث أنّ كلّ شعوب العالم التي انتفضت ضدّ حرب الإبادة تنتظر بزوغ شمس الحرّية في فلسطين وكنس الكيان الصّهيوني.
أعتقد بأنّه لا يمكن تفكيك هذه التناقضات بين ما تعلنه إيران مرارا وتكرارا وبين الوقائع الميدانيّة (التي تترجم عن ضغوطات وإكراهات مُورست على إيران من خلال الحرب والمفاوضات)، إلاّ من خلال الاحتكام الى بعض الثّوابت الاستراتيجيّة الأمريكيّة، أو العقيدة السياسيّة التي تأسّست على توظيف حلفائها وأعدائها في الوقت نفسه، وهذا ما يطلق عليه بنظريّة الاحتواء المزدوج.
بمعنى آخر، أمريكا بحاجة الى إيران “دون مخالب”، أي دون سلاح نووي، ولكن في الوقت نفسه تبقى إيران قويّة بما يكفي لتُرهب دول الخليج، وتفرضُ عليها الشعور بالحاجة المستمرّة “للمظلّة” أو “الحماية” الأمريكيّة، بما يضمن مواصلة شراء السّلاح الأمريكي خوفا من مشروع إيران التوسّعي من خلال تصدير الثّورة الذي ما انفكّت تعمل على تجسيده على امتداد عشرات السّنين، وهذا واقع ملموس وليس رأي مجرّد.
من هذا المنطلق، أعتقد أنّ تصدير الثّورة هي بمثابة الخطيئة الكبرى في الاستراتيجيّة الايرانيّة. وهذا الرّأي عبّر عنه أحد صقور السياسة الخارجيّة الايرانيّة، على غرار كمال خرّازي الذي وقع اغتياله في هذه الحرب. وقد ساهمت هذه السياسة التوسّعيّة الايرانيّة، عبر تصدير الثورة، في جعل منطقة الشرق الأوسط فريسة للغرب الكولونيالي، وبرّرت ولو نسبيّا هرولة دول الخليج نحو أمريكا والارتماء في أحضانها وتنصيب قواعد عسكريّة “للحماية”، والتي أصبحت مستهدفة من إيران بما أنّها تشكّل خطرا على أمنها القومي، وهذه مفارقة من مفارقات السياسيّة الايرانيّة والخليجيّة في الوقت نفسه.
وسياسة التوظيف التي تعتمدها أمريكا في الشرق الأوسط ليست مستحدثة، فمنذ قيام الثّورة الايرانيّة نجحت أمريكا في توظيف كلّ من الخميني وصدّام حسين ودول الخليج في اشعال الفتنة الطائفيّة (شيعة وسنّة)، ثمّ المرور الى الحرب. وهذا فيه إنهاك لجميع الأطراف، واستنزافهم، خاصّة إيران والعراق. وكلّ هذه العوامل تصبّ مباشرة في مصلحة إسرائيل، كما تشجّع تجّار الأسلحة في أمريكا، وهو ما يدرّ على الخزانة الأمريكيّة أمولا طائلة، وتُنعش سوق الشغل وتعزّز وضع الاقتصاد الأمريكي في العالم.
فلا صديق لأمريكا في الشرق الأوسط إلاّ إسرائيل، والبقيّة تتلاعب بهم وتحرّكهم حسب متطلّبات الظرف، وليس من باب الصّدف، أنّ أمريكا هي من أعدمت صدّام حسين (بعد استهلاكه)، وبمباركة إيرانيّة صريحة، وهي من اغتالت خصومه ومن بينهم الخامنئي.
حتّى خلال هذه الحرب، أشارت بعض التقارير أنّ أمريكا استهدفت مثلا مطار الكويت مستعملة سلاحا يشبه السلاح الإيراني، لإيهام الكويت ودول الخليج بأنّ إيران هو عدوّ دائم وحقيقي ممّا يُفضي بالضّرورة الى توجيه بوصلة الانفاق الدّفاعي الخليجي نحو شراء الأسلحة الأمريكيّة.
وقد تأكّد هذا المنحى من خلال مذكّرة التفاهم بين أمريكا وإيران التي جاءت لتنصّ على تعويضات لصالح إيران بسبب الحرب والدّمار..، وتلك الأموال التي ستكون ربّما في شكل استثمارات ستتكفّلها دول اقليميّة، أي خليجيّة.
فإلى متى ستضلّ هذه المعادلة الأمريكيّة تتحكّم في سياسات دول الشرق الأوسط وتَنخرُ مقدّراتهم ومجتمعاتهم؟؟؟
ومتى ستستفيق دول الخليج من وهم “الحماية” الأمريكيّة والبحث عن صياغة استراتيجيّة أمنيّة إقليميه بعيدا عن القواعد العسكريّة؟
وفي هذا الإطار، ما هو المطلوب من إيران؟ هل المطلوب منها النأي بالنّفس والإحجام عن تدخّلاتها في الشّؤون الدّاخليّة لدول الخليج التي انخرط البعض منها في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني (عن طريق اتفاقيّة أبراهام)، والبعض الآخر سائر نحو التطبيع. وهذا يشكّل خطرا على الأمن القومي لإيران وعلى أمن دول الخليج نفسها، بما أنّ رغبة إسرائيل في الاستيطان والتوسّع ليس لها حدود، وهذا ليس بسرّ لأنّ إسرائيل أعلنته على رؤوس الملأ.
وهنا يكمن مربط الفرس، إذ أنّ أي استراتيجية أمنيّة حقيقيّة على المستوى الإقليمي يضلّ رهينة التعامل مع القضيّة الفلسطينيّة. لذا، من الضروري، لإيران ولدول الخليج وبطبيعة الحال الفلسطينيّين، الدّخول في مفاوضات وبناء الثقة من أجل وضع استراتيجيّة مشتركة وترك الخلافات جانبا. وهذا ضروري لأمن المنطقة، وليس ترفا سياسيّا. بمعنى آخر، يجب الخروج بحلّ مشترك، إمّا التّصعيد ضد الكيان الصّهيوني، من أجل استرداد الحقوق المسلوبة وطرد المحتل ووضع حدّ لسياسة التقسيم التي وضعتها اتفاقية سايكس بيكو (1916).
وإمّا المطالبة بتطبيق القانون الدّولي وقرارات الأمم المتحدة (الشرعيّة الدّوليّة)، ذات الصّلة والتي ترمي بحل الدولتين، أي إسرائيل وفلسطين. وهذا التمشّي تسانده السلطة الفلسطينيّة وقبلت به حماس سنة 2017 (مع بعض التحفظات)، وكذلك المجتمع الدّولي، بما فيهم الصّين وروسيا كأعضاء دائمين في مجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة.
إذا، فالمهم هنا، البحث عن موقف يوحّد دول الشرق الأوسط في هذه المسألة، أي القضيّة الفلسطينيّة، التي وقع استبعادها في الاتفاق المبرم بين إيران وأمريكا. وهذا الطريق الوحيد الذي يمكّن الدّول التي تبحث عن أمنها وكرامتها وسيادتها…، وغلق الباب أمام الابتزاز الأمريكي والاختراقات من خلال سياسة الترهيب والترغيب والتّوظيف السّياسي والايديولوجي والعَقَدي الذي أخذ منعرجا شبه رسمي، من خلال العديد من التصريحات الصّادرة عن النّخبة الحاكمة المتطرّفة في أمريكا وفي إسرائيل بأنّ هذه الحرب، حرب دينيّة بين الإسلام والتّيار الصهيو-مسيحي.
وأخيرا وليس آخرا، فقد لاحظنا أنّه عندما يقع التّذكير بأنّ مذكّرة التفاهم تنصّ في أحد بنودها على ضرورة توقّف الحرب على جميع الجبهات، يقع تجنّب ذكر فلسطين والمقاومة في غزّة، وهذا يدلّ على أنّ تغييب القضيّة الفلسطينيّة كان إراديّا لإتمام المذكّرة (الصفقة)، التي تصبّ حسب اعتقادهم في مصلحة أمريكا وإيران ودول الخليج وإسرائيل (رغم معارضتها الظاهرة)، لكنّ هذا المسار سيصطدم مجدّدا بالقضيّة الفلسطينيّة، كمحدّد للأمن القومي الإقليمي.





