مشروع مقاربة تربوية لإصلاح و النهوض بقطاع التعليم من الأساس ….ياسين فرحاتي
تنبع عناصر و أركان هذا المشروع مما إطلعت عليه في بعض أمهات الكتب الحديثة و رسائل الدكتوراة و الماجستير، و ما استمعت إليه على ألسنة بعض الخبراء و الباحثين الكبار. كما أن موضوع بحثي في رسالة الدكتوراة يتعلق في جوهره بالفكر المنظومي و المركب و بالحوكمة، في كلية العلوم الاقتصادية و التصرف بصفاقس و أيضا في ماجستير الرياضيات التطبيقية و معالجة الصور بكلية العلوم بقفصة.
و هذه هي محاولة مني للمساهمة كرجل تربية و تعليم و كمثقف في إحداث تغيير و لو بقدر بسيط بقدر المستطاع إيمانا مني أنها مهمة نبيلة و رسالة سامية و وواجب وطني مقدس. و أنني سبق و أن اقترحت أفكارا جريئة رأيت بعضها قابلا للتطبيق أو طبق شيء منه على أرض الواقع حتى و إن لم يتم الاعتراف لي بذلك لكن ماذكرته توثقه مقالاتي المنشورة في بعض الصحف و المواقع الإلكترونية المعروفة. و إنني استعنت و وظفت في هذا المقال بعض الآراء التي أراها مهمة و حكيمة، و سأسردها مع شيء من التفصيل و التعليق عليها. و أنه في عصر التغيير و الذكاء الاصطناعي و فوضى المعلومات و تنوع الأزمات و تعددها لا بد من التسلح بسلاح العلم و المعرفة حتى نحسن التأقلم.
و من المقترحات السديدة و التي يأمل أصحابها أن تجد آذانا صاغية لدى صناع القرار في تونس ما يلي :
- في التعليم الابتدائي و الإعدادي و الثانوي :
يرى أستاذ الرياضيات و الباحث المرموق علي البقلوطي من جامعة صفاقس ضرورة إدراج التفكير المنطقي الرياضي و مبادئه و تعميمه في مستويات دنيا لأنه لا يجد الاهتمام الكافي و بالمناسبة أتسائل ماذا لو تدرس كل مدارس علم المنطق المعروفة عبر التاريخ كالمنطق الكلاسيكي مورغان و بول و وايتهاد و غودال و فيتغنشتاين الفيلسوف الألماني و منطق لطفي زادة و ربطها بنظريات الاحتمالات و البحث العملياتي في مستوى الثانوي كالباكالوريا مثلا؟
كما أنه خلال الندوة الأخيرة لبيت الحكمة حول ” الرياضيات و تطبيقاتها في المجتمع و علاقتها ببقية العلوم ” أشار البروفيسور البقلوطي إلى مشاكل تدريس الرياضيات و نفور التلاميذ مع تدني نسبة الموجهين إليها ( 6% ) و اعتبارها “بمثابة الغول” المخيف لهم ( من بودكاست على إذاعة المنستير مع نفس الباحث ). و في مداخلة أخرى على القناة الوطنية الأولى، عرج على موضوع الدكاترة و حثهم على عدم التعويل فقط على التدريس في الجامعات بل رأى أن إحداث وحدات بحث و تطوير صلب المؤسسات الاقتصادية و الشركات و المصانع من شأنه أن يرفع من الانتاجية و المردودية و يخفض من نسبة البطالة لديهم حيث يبلغ عدد الدكاترة أكثر من 10000، سيتم انتداب 1300 دكتور في خطة أستاذ مساعد خلال هذا العام.
يؤكد الأستاذ و الباحث في الرياضيات عماد البزدوري من جامعة قفصة بكثير من الحماس على أهمية الارتقاء بالدول المتقدمة قصد اللحاق بركبها مثل الصين و كوريا الجنوبية في مجال الرياضيات و الذكاء الاصطناعي و يعيب على وزارة التربية تدريس بعض الآداب كالشعر الجاهلي خاصة الذي لا يرى فيه فائدة بينما هو يساعد على فهم القرآن الكريم بحسب أحد الصحابة الكرام و يرتقي بالذوق و فيه كلام محفز و ملهم للإنسان. كما لا يرى فائدة في الفلسفة الإغريقية ( أفلاطون و من عاصره ) و يرى أن تدرس الفلسفة خلال السنوات الأولى و هو نفس ما أشرت إليه في مقال سابق لي و تم الإستعانة به كمرجع علمي في رسالة ماجستير في الفلسفة لطالبين من جامعة العربي التبسي بالجزائر، مع التخلي عن تعليمها فيما بعد لبعض الشعب العلمية خصوصا حسب رأيه و كأنه يتوافق مع موقف الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينغ و الذي تحدث عن “موت الفلسفة” و أثار جدلا واسعا وقتذاك بتصريحه الذي بدى غريبا نوعا ما.
من جهته يعتقد أستاذ من جامعة منوبة و أحد المؤسسين للمشروع البحثي “We search” في مداخلة صباحية على التلفزة التونسية منذ أيام، ضرورة تعزيز و تكريس العمل العلمي العابر للتخصصات و ذلك من خلال مشاركة كل الباحثين من مختلف التخصصات في مخابر و وحدات بحث جنبا إلى جنب ( رياضيات و فيزياء و كيمياء و بيولوجيا و فلسفة و اقتصاد و علم اجتماع و علوم سياسية و أنتروبولوجيا و تاريخ و جغرافيا ، إلخ . ) و هذا النمط من البحث معمول به في أمريكا من خلال SFI و فرنسا و أوروبا من خلال معاهد المنظومات المركبة instituts des sciences de la complexité. هذه المواضيع هي شغلي الشاغل و من أوكد اهتماماتي بحثا و قراءة و مطالعة.
بالنسبة للأستاذ المحاضر و الباحث في الرياضيات محمد حاجي من المعهد العالي للعلوم التطبيقية و التكنولوجيا بالقصرين، فيرى أن الرياضيات التطبيقية تمثل مستقبلا واعدا في مجال العلوم الصحيحة و سيزداد خلال السنوات القادمة الاهتمام أكثر فأكثر بنظريات الاحتمالات و الإحصاء في علاقة وثيقة بمعالجة البيانات الضخمة ( Big Data ) ، و هو نفس الرأي الذي عبر عنه البروفيسور المتقاعد الحصايري في ندوة بيت الحكمة في إشارة إلى دورها الفعال في التوقعات سواء في المناخ أو في الأسواق المالية. و من المهم الإشارة إلى أن الجزائر الشقيقة قد أنشأت مركزا وطنيا للرياضيات التطبيقية منذ أسابيع قليلة.
شخصيا أدعم التوجهات و البرامج الإصلاحية لهؤلاء الأساتذة الباحثين و أضيف إلى ما تفضلوا به بعض الأفكار بكل تواضع على النحو التالي :
- نشر ثقافة المالية و بعث المشاريع و القيادة لدى الناشئة منذ الصغر كما هو حال مع مادة الإعلامية و الذكاء الاصطناعي الذين يجب الاستئناس بهما منذ الصغر و الاقتصاد الرياضي و المالي و الفيزياء – الاقتصادية المبنية على الفيزياء الإحصائية و هي فرع جديد في علوم المركب في سنوات لاحقة، لمزيد اكتساب الحس الاستشرافي للتوقي من المخاطر و الأزمات المحدقة بنا.
- تعميم تدريس التفكير المنظومي و لو تدريجيا و أخص بالتحديد مادتي العلوم الفيزيائية و الرياضيات و البيولوجيا و ذلك لتعويد التلاميذ و الطلبة على التساؤل و التفكير الشامل و المستقل تنمية لخيالهم و لفهم و إدراك العلاقات بين الأشياء و غاياتها. يمكن أيضا تخصيص حصة نصف شهرية للتثقيف في هذين التخصصين المهمين ( سير علماء و مخترعين و حلقات نقاش ) و في باقي الاختصاصات. و أظن أنه من المفيد جدا التنسيق بين أساتذة و متفقدي التخصصين قبل الشروع في المقررات و المناهج التدريسية على مستوى الوزارتين و أن تكون البرامج عصرية و التكامل و التناغم أساسيا بينهما.
- تعميم تدريس مادة العلوم الفيزيائية كما كان معمولا به سابقا على باقي الشعب كالآداب و حتى الاقتصاد و التصرف و بما يتوافق و برامج الفلسفة التي ترنو إلى فهم الكون و نواميسه كعلم الفلك و الحركة و الجاذبية و الضوء و التفاعلات الكيميائية مثلا و لو بإيجاز لأنه من المعلوم أن أشهر الفيزيائيين كانوا فلاسفة و مفكرين مثل نيوتن و أنشتاين و هايزنبرغ و غيرهم، ثم إن المؤسسة اليوم، توصف أيضا وفق مبادئ فيزيائية مأخوذة من التيرموديناميكا كالأنتروبيا و من البيولوجيا كنظام مفتوح و من السيبرنيطيقا.
- ربط جسور تواصل أيضا بين العلوم الفيزيائية و علوم الحياة و الأرض و بين التكنولوجيا التي تستفيد كثيرا من الفيزياء و الإعلامية التي صارت مرتبطة اليوم بالرياضيات من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي حتى كأن تكون الفكرة في شكل نوادي و ورش عمل مشتركة فيما بينهم.
- تطوير تدريس مواد التاريخ و الجغرافيا و التربية المدنية حتى تصبح وسائل لتشخيص و فهم العالم و تفسير أحداثه في إطار من العلاقات المشتركة و المتشابكة و المركبة و المتبادلة و ربطها بنظريات علم الإجتماع السياسي و ما أسماه أستاذ الرياضيات الروسي الأمريكي الشهير بيتر تورشن ب”الكليوديناميك” و بالجيوبوليتيك و بالعلاقات الدولية و لو بطريقة مبسطة و موجزة.
- أقترح أن تكون برامج اللغة الأنجليزية تطرح مواضيع و نصوص علمية و حديثة و مبسطة و ثرية مع تعويد التلاميذ و الطلبة على البحث الشخصي و على المجهود الفردي و حتى الجماعي. و التفكير مثلما بدأت كلية طب في تقديم دروس بالأنجليزية، أن تعمم التجربة بنسق حثيث مع المحافظة على تدريس مادة الترجمة على مختلف الشعب بدءا من الإعدادي و أن يتوافق جودة و منهج تدريس اللغات الحية مع تدريس مادة الرياضيات كمفتاح لفهم بقية العلوم.
- إحداث معاهد و مراكز متخصصة في الرياضيات المطبقة على العلوم الاجتماعية و الإنسانية مثلما هو الحال في فرنسا و غيرها من بعض بلدان العالم و نحن نعيش على وقع تغيرات مناخية خطيرة تسببت في فيضانات كبيرة يومي 19 و 20 جانفي 2026، و أودت بوفاة 4 ضحايا في بلادنا، و لم نعرف لها مثلا منذ سنة 1950. كما أن نذر أزمة مياه و غذاء في بقية دول العالم تبدو جلية و واضحة. إن أهمية الاستشراف التي ترتكز على المعلومات في أخذ القرار الصحيح في ظل الضبابية ( المنطق الرياضي للطفي زادة ) كما أكد على ذلك بعمق المهندس رئيس عبد الرزاق الرحال مدير التوقعات بالمعهد الوطني للرصد الجوي أمر يجب العمل عليه و تطويره و قد كنت كتبت مقالا سابقا بجريدة الشروق التونسية عن الموضوع.
لا يسعني في خاتمة هذا المقال إلا أن أتمنى أن تتكثف الجهود للارتقاء بالمنظومة التربوية و تعزيز الفكر الحر و المستنير و أن يصغي أصحاب القرار إلى جهابذة الفكر و الكتاب لأن القضية قضية رأي عام و مصيرية و تمس الجميع.




