مهرجان المدينة بصفاقس… نجاح يتجدّد ومسـامرة فكرية تعانق ذاكرة المدينة
يواصل مهرجان المدينة بصفاقس في دورته التاسعة والعشرين رسم ملامح نجاحٍ استثنائيّ، أعاد للمدينة وهجها الثقافي، وجعل من فضاءاتها منابر للفكر والفن والروح.
منذ سهرة الافتتاح، بدا واضحًا أن هذه الدورة ليست مجرد تظاهرة عابرة، بل مشروع ثقافي متكامل ينهل من رصيد صفاقس الحضاري، ويستشرف أفقًا أكثر إشعاعًا. حضور نوعي، وتنظيم محكم، وبرمجة ثرية جمعت بين الأصالة والتجديد، فجاءت الليالي الرمضانية عامرةً بالموسيقى الراقية، والمدائح العذبة، واللقاءات الفكرية التي تعيد الاعتبار للكلمة المسؤولة والفكر المستنير.
وفي سياق هذا النجاح المتواصل، يحتضن برج المزيو يوم 5 مارس 2026 مسامرة فكرية مميزة بالشراكة مع وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، لتؤكد إدارة المهرجان مرة أخرى أن الثقافة ليست عرضًا فنّيًا فحسب، بل هي أيضًا فعل تفكير وتأمل في الذاكرة الجماعية.
وتأتي هذه المسامرة تحت عنوان “أعلام من صفاقس”، إذ يقدّم الدكتور رضا القلال قراءة علمية رصينة في سير وأثر شخصيات صفاقسية صنعت الفارق في مجالات متعددة، وأسهمت في تشكيل الوعي الوطني والثقافي. ويدير الجلسة الدكتور خليل قويعة، بما عُرف عنه من اقتدار أكاديمي وحسن إدارة للحوار، فيما تتولى الدكتورة هالة مهدي تقديم اللقاء، في توليفة تجمع بين الرصانة العلمية وجمالية العرض.
إن اختيار هذا المحور يعكس وعيًا عميقًا بأهمية استحضار الرموز المحلية في سياق بناء هوية ثقافية متجددة؛ فالأمم التي تستحضر أعلامها، وتقرأ سيرهم قراءة نقدية واعية، هي أمم تصون ذاكرتها وتؤسس لمستقبلها بثقة وثبات.
وسيكون الموعد بحضور أهل الفكر والإبداع، وممثلي الوكالة، وتفقدية التراث للساحل الجنوبي،ومندوبية الشؤون الثقافية في مشهد يجسّد تضافر الجهود بين المؤسسات الثقافية والهياكل المختصة لحماية التراث المادي واللامادي، وتعزيزه كرافعة للتنمية الثقافية والسياحية.
وهكذا يثبت مهرجان المدينة بصفاقس في دورته التاسعة والعشرين أنه ليس فقط احتفاءً بالفن، بل منصة حوارٍ حضاريّ، وجسرًا بين الماضي والحاضر، ومساحةً يلتقي فيها الإبداع بالتاريخ، وتتعانق فيها الأنغام مع الأفكار، في مدينةٍ تعرف كيف تصنع من لياليها ذاكرةً لا تُنسى.
محمد







