نحن “جيل الحب”: هكذا علمونا قيم الحب وسلوك المحب..مصطفى عطية
نحن شباب أواخر السبعينات و بداية الثمانينات، وقد تدفق في شراييننا حب الوطن حتى بلغ منتهاه. كنا مدمنين على الإستماع لبناة الدولة الحديثة وهم يسردون على مسامعنا قصص النضال من أجل حب الوطن، وكان أباؤنا وأمهاتنا يروون لنا ملاحم من مشاركتهم في النضال حبا للوطن، بعضهم شارك بالكفاح والبعض الآخر بالتمويل وبعضهن ببيع حليهن دعما للمجهود النضالي، والكثيرون بالمظاهرات والعصيان المدني والكتابة والتعريف بالقضية التونسية في المحافل الدولية.
كان مؤدبونا، ثم معلمونا وأساتذتنا في كل مراحل التعليم، قد زرعوا فينا عقيدة “حب الوطن” كعنصر أساسي من عناصر الإيمان، أما الشارع فكان يزخر بالحب. الجيران يتركون أبواب منازلهم مفتوحة لتتجول الأواني المعبأة بالأكلات المختلفة بين البيوت في حركة أخذ وعطاء مفعمة بالود والثقة والتآزر.
كنا نرى الحب ونحس بنبضاته في صرامة آبائنا وجديتهم، وفي عيون أمهاتنا الملأى بدفق الحنان.
علمنا آباؤنا وأمهاتنا ان الحب في قطعة الخبز الملقاة على الأرض عندما نسارع برفعها وتقبيلها ووضعها في مكان آمن ونظيف. علمونا ان الحب في الخطاف الذي يقف على الشرفة حين نمسكه بلطف ونبلل ريشه بزيت الزيتون ثم نطلقه في الفضاء الرحب، إيمانا بانه سيطير عاليا وبعيدا مبشرا بالحب. علمونا ان الحب في الأخذ بيد المكفوف ومساعدته على قطع الطريق والوصول إلى المكان الذي ينشده. علمونا ان الحب في مواساة الحزين والرفع من معنويات المريض ومساعدة الفقير ونصرة المظلوم. علمونا ان الحب في نظافة اليد وصدق القول. علمونا ان الحب في طاعة الوالدين وتقدير الكبير و احترام المراة. علمونا أن الحب في تجنب الغش والخداع. علمونا أن الحب في الجمال والخير والسعادة.
نحن أبناء الجيل الذين تخضبت مراهقتنا بالحب العذري، حب بنت الجيران، التي نتواصل معها يوميا بالنظرات والإبتسامات، او حب زميلة الدراسة في المعهد، نتجاذب معها الحديث عن الأساتذة ودروسهم، والتلاميذ الأشقياء في القسم، والفروض المنزلية، والقلب يخفق بجناحين من الحلم، ثم نرافقها في الطريق حتى إذا أصبحت على بضعة امتار من منزلها ودعناها بٱبتسامة خافتة حتى لا نحرجها في حيها وأمام جيرانها، ولم يصبح الحب لدينا مشروعا وجوديا إلا في الجامعة عندما تبين لنا ان المستقبل الذي ينتظرنا يتطلب روحا توأم نسلك معها طريق الحياة.
نحن أبناء الجيل الذين نرفض الإحتفال بنجاحنا إذا لم ينجح أحد أصدقائنا أو إحدى صديقاتنا.
نحن أبناء الجيل الذين أبدعنا في كتابة رسائل الحب بأساليب مبتكرة لم يأت بها الأولون والآخرون.
نحن أبناء الجيل الذين تظاهرنا في رحاب الكليات وخارجها ضد الحروب ورفعنا لافتات كتب عليها ” كفوا عن إضرام نيران الحروب وتعالوا نمارس الحب”.
نحن أبناء الجيل الذين كتبنا في الحب وأنواعه، شعرا وقصصا وروايات وبحوثا ودراسات، ونظمنا التظاهرات، وأنتجنا البرامج الإذاعية والتلفزية والمسرحيات والأعمال الدرامية والأشرطة السنمائية في الحب وقيمه.
نحن جيل الحب، وهكذا تعلمنا الحب.




