ارجوكم اسمعوني وافهموني وخاصة لا تؤاخذوني … عبد الكريم قطاطة
من نعم الله التي لا تُحصى ولا تُعدّ نعمة الصحة … وانا انعم عليّ الله في خريف عمري هذا بصحّة جيّدة … لا اشتكي من ايّ مرض والحمد لله … الاكيد انّ ثقل السنوات بدا يفعل فعله حيث اصبحت بيتوتيا جدا … لكن وهو الاهم لا اشتكي من ايّ مرض … اليست الصحّة نعمة كبرى ؟؟… وها انا كما تروني اكتب واعلّق واشاكس … اسهر كثيرا وانام كثيرا ولم يعد يشغل بالي الّا احوال بلدي التي هي ليست بخير … البارحة مثلا غالبت الارق فغلبني ولم استطع النوم الا مع الثالثة صباحا وكما يقول زميلي الكبير محمد الحبيب السلامي تُرى _ فيم افكّر ؟ _ البارحة فكرة وحيدة طغت على بالي وهي … بما انّي في صحّة جيّدة ولا زلت قادرا على الكتابة لماذا لا اكتب وصيّتي لابنتي كرامة وابني كروان ؟ وربما لاصدقائي ؟ انا على يقين انّ العديد من اصدقائي وربما من عائلتي واهلي لا يستسيغون فكرة كتابة الوصيّة .. لهؤلاء اقول واكرّر القول اليست الموت هي الحقيقة الوحيدة التي يقرّها الانسان كيفما كان .. مسلما كان ام مسيحيا ام نصرانيا … موحّدا او مشركا … مؤمنا او ملحدا ؟؟ ثمّ اليست الموت وبحكمة ربانية هي في علاقة جدليّة مع الحياة ؟ .. اذ لا معنى للحياة دون وجود موت ولا معنى لموت دون وجود حياة اذن هنيئا للمؤمن بتقبّل فكرة الموت بكلّ هدوء … وانا والحمد لله انعم عليّ الله بسلام داخلي ثبّت في داخلي قناعات عديدة ومن ضمنها واهمّها الاستعداد النفسي التام للمغادرة _ كلّنا مغادرون كما غادر من قبلنا وكما سيغادر من بعدنا ومن تلك الزاوية نفهم مقولة _ البقاء لله وحده _ البارحة وبعد جدل فكري طويل وعميق قررت ان اكتب اليوم وصيّتي لابنتي وابني … ووصيّتي ستكون مغايرة جدا للوصايا العاديّة بل هي خلاصة لتجاربي في الحياة والتي اوصلتني الى مرحلة السلام الداخلي علّ ابنتي وابني وكلّ اصدقائي يستفيدون من حالة الوصول للسلام الداخلي _ والله لا يحرم الجميع منها _ دعوني في البداية اقل … يا كرامة يا كروان يا اصدقائي … انتم لستم مجبرين على تنفيذ الوصية خذوا ما طاب لكم منها وارموا ما لم يطب في سلّة المهملات …اي انتم لستم مطالبين امام الله بتنفيذ الوصية … الم اقل لكم انّ وصيّتي مغايرة لبقيّة الوصايا … انا وكالعديد من مواليد جيلي عشنا حياتنا بالطول والعرض … مجون وعبث وتقصير في طاعة الله .. لكن ومنذ صغري انعم عليّ خالقي بنعمة كبرى رافقتني طيلة حياتي نعمة التامّل اوّلا ثم نعمة البحث وحبّ المعرفة .. كنت مثلا وانا طفل كثير التامّل ليلا للسماء والقمر والنجوم … وعندما كبرت قليلا فهمت ما معنى الليل والنهار .. فهمت معنى الكسوف والخسوف … فهمت معنى الفصول الاربعة ..وعايشت حالات عديدة من موت الاهل والاصدقاء … والغريب انني كنت قليل البكاء … وحتى في موت عيّادتي ذرفت دميعات وطلبت لها الرحمة .. كانّني كنت ممتلئا ومنذ طفولتي بفكرة حتمية الموت اذن لابدّ من قبولها دون تهويل او جزع … قبل سنة 2002 كنت مقصّرا جدا في علاقتي بخالقي ..كنت مؤمنا بربّي وخالقي ولكن كنت عاصيا في واجباتي الدينية .. وحتى الخّص تلك الفترة من حياتي اقول ارتكتبت كل الحماقات والاثام …فقط لم اقتل لم اسرق ولم اشرب الخمر … ما تبقّى … صار … صار… صار . وارجو غفرانه تعالى … في سنة 2000 كان لوفاة اخي وهو في الاربعين تاثير عميق زلزل داخلي . وهنا لا اعني حدث الموت بل اسبابه … اخي كان مدخنا مثلي وسبب وفاته كما يقول الطب سرطان الرئتين من جرّاء التدخين …وقتها ودائما من منطلق التامّل في الاحداث تساءلت كيف لاخي ان يموت بسبب التدخين في حين انّ عمّي توفّي وهو يقترب من سنّ المائة وهو مدخّن شرس ولاكثر انواع الدخان رداءة ..؟. بل الست انا اكبر منه سنّا وعشرة مع السيجارو ؟ … وها انا بصحّة جيّدة ولحدّ الان _ 62 سنة من العشرة والوفاء حماكم الله منه …. موت اخي اعادني بقوة للتامّل في ظواهر ومفاهيم عديدة الخلق . الكون .. معجزات الرسل .. الانبياء .. القرآن .. الاسلام .. رجال الدين .. وعكفت على التهام كل بيوت المعرفة مكتوبة ومسموعة ومرئية .. مكثت على هذه الحالة سنتين . وفي سنة 2002 كنت انذاك في خصومة شديدة مع مديري المرحوم عبدالقادر عقير وهنا افتح قوسا لاحمد الله على انني كانت لي خصومات مع ثلاثة مديرين _ المرحوم محمد الفراتي سنة 82 المرحوم محمد عبدالكافي سنة 85 والمرحوم عبدالقادر عقير سنة 2002 لكن تصالحت مع الجميع قبل وفاتهم _ اذن اعود لسنة 2002 حيث جمّدني انذاك مديري سي عبدالقادر …لم يستطع اقالتي او طردي ولكن بقيت ذلك الموظّف دون شغل في الفريقو …في احد ايام تلك السنة .. تحدثت مع نفسي قائلا والله لا طاح لا دزّوه .. قلت لعبدالكريم توة انت عبذالكريم ولد شعبة آداب وبديت مطالعة الكتب منذ الخامسة ابتدائي لقصص الاطفال كامل الكيلاني وعبدالحميد جودة السحار وعطية الابراشي وتدرجت في التعليم الثانوي لمطالعة امهات الكتب لعديد الادباء العرب مالمانع ان تطالع كتاب القرآن ؟ وبسرعة مدهشة وجدتني افتح الكتاب واقرأ . بدات بالفاتحة ثم البقرة …ووصلت الى الصفحة 24 من الكتاب وتجديدا الى الاية 155 والاية 156 والاية 157 من سورة البقرة والتي يقول فيها الرحمان _ وبشّر الصّابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انّا لله وانّا اليه راجعون … اولائك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة واولائك هم المهتدون وفجاة وفي اخر كلمة من تلك الايات الثلاث فتحت سكرتيرتي نعيمة المخلوفي رحمها الله باب مكتبي وفُزعت من حالتي وسالتني يا عرفي شبيك لاباس ؟ قلتلها شبيني انا بخير . فاردفت شبيك تبكي اللطف عليك .. اندهشت ولكن عندما مسحت عينيّ باصابعي وجدت اثر الدموع فيها ..ابتسمت لها ابتسامة خفيفة وقلت لها ما تقلقش لاباس .. انصرفت نعيمة فاغلقت كتاب القرآن ونظرت الى الفوق وقلت _ يا ربّي انا جايك _ اغلقت مكتبي وتوجّهت الى منزلي الذي هو على بعد امتار من مقرّ العمل اعتسلت وتطهرت وادّيت اوّل صلاة بكل صدق وايمان … ومنذ تلك اللحظة انطلقت رحلتي مع الايمان ومع خالقي …وعدت الى الاقبال بكل شغف وحبا للمعرفة على كل ماهو مكتوب ومسموع ومرئي في شؤون الدين … وصدقا على 100 متحدث في الدين لا اجد اكثر من واحد في ال100 مقنع … وصدقا ايضا اكثر من اثّر فيّ من بين الجميع هو مصطفى محمود ..رجل الرحلة الايمانية بين العلم والدين … وبعيدا عن الهستيريا التي اجتاحت عديد الشيوخ وهم يكفّرون ويشتمون بعضهم بعضا اقول _ علاقة المخلوق بالخالق علاقة ثنائية بحتة _ وهذي وصيّتي الاولى لابنتي وابني وكل من يريد النصيحة … اسمعوا نعم . طالعوا نعم .. لكن دعوا علاقتكم مع الخالق علاقة ثنائية .. علاقة قوامها الحب وعدم اغضابه … ايماني العميق الذي قذفه الله في قلبي منذ سنة 2002 لم يفقدني الرغبة في التامّل الدائم في كل ما يتعلّق بديني …وكنت ادرك انني مهما تاملت وبحثت هنالك حقائق يستحيل ان افكّ رموزها … ساعطيكم مثالا تاملت فيه مؤخّرا ..عائلة انجبت مثلا ولدين وبنتين .. انا اتساءل هل من تفسير علمي لماذا الولد رقم واحد لم يكن الاوسط او الاخير ؟ ونفس السؤال يُطرح حول بقية الافراد بل من حق اي طرف ان يسال لماذا انا الاخير ولست الاول او الاوسط … نعم العلم تطوّر واكتشف عدّة حقائق ولكن من من العلماء يمكن له الاجابة عن هذا السؤال ؟ وصيتي الثانية .. ابحثوا ادرسوا تامّلوا لكن ليكن بداخلكم يقين لا شكّ فيه انّ عديد الاشياء لا يعلم سرّها الا الله ..ابنتي الغالية ولدي الغالي .. الدين عبادات ومعاملات .. لا تهملا جانب العبادة وذلك يجسّم علاقتك الثنائية مع الله لكن لا لنسيان جانب المعاملات .. كن حليما مسامحا ..نظّف قلبك من الحقد .. قل خيرا او اصمت .. ليكن ايمانك بالعطاء ايمانا لا حدود له .. احبّ الله واحبّ خلق الله .. فالحبّ اثمن ما في الوجود .. احبّ الفنّ بكلّ الوانه موسيقى غناء مسرح سنما تلفزة واذاعة شريطة ان يكون الفنّ في كل مجالاته راقيا … اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا واعمل لاخرتك كانك تموت غدا .. لا تكتنز مالك ..تصدّق … ارحم المحتاج .. سافر تمتّع بحياتك .. عندما نغادر لن نحمل معنا مليما واحدا .. ايّاك يا كرامة اياك يا كروان ان تدخلا حزبا سياسيا .. الم تروا كيف اصبحت السياسة نجاسة … لكن في المقابل حبّ الوطن من الايمان واينما كان الواحد منا فهو قادر على افادة وطنه … لا تناصر الظالمين وكن مع المظلومين والمفقّرين … اقم الدليل بحجتك العالية وليس بالصوت العالي والسبّ والشتم …لا تتورط في التحاور مع ايّ متطرّف … المتطرّف في تقديري لم يفهم ربّه ولا دينه …اذن كيف سيفهمك …كرامة وكروان تركت لكما الخيار في جلّ قراراتكما احتراما لحريتكما فلا تحرموا احفادي من حرية الاختيار مع الاكتفاء باسداء النصيحة ..كرامة وكروان انتما كنتما شاهدين على برّي بوالديّ.. وها انا اشهد الله على انكما كنتما ولا زلتما مثالا للبرّ بي وبوالدتكما . كرامة وكروان اوصيكما بامر يهمني شخصيا .. الامر يتعلّق بتدويناتي التي كانت تحت عنوان _ ورقات يتيم _ والتي كانت 150 ورقة اي 150 تدوينة … ان لم تسعفني الظروف لطباعته في شكل كتاب اوصيكم اولا بطبعه وثانيا وهو الاهم تخصيص 50 في ال100 من مداخيله للمساهمة في مشروع خيري . وال50 في ال100 البقية صدقة رحمة على عيّادة وسي محمد … اختم بالقول ..اعتذر لكلّ من اخطأت في حقّه وارجو ان يغفر لي خطئي .. ومن جهتي انا غافر لكلّ من اخطأ في حقّي…لابنتي وابني وزوجتي واحفادي واهلي واصدقائي يشهد الله انّي ارجو لكم من اعماق اعماقي ان ينعم عليكم الخالق بالسلام الداخلي وهي نعمة لا تُقدّر بثمن ..اعيد الاعتذار لمن يقلقه الحديث عن الموت والوصايا ولكن رجاء افهموا ان هذه التدوينة تشعرني بسعادة لا حدود لها ..هي بمثابة صلاة في محراب الله ..اناجيه فتفهموا مناجاتي .. اذن تقبلوا اعتذاري من اجل اسعادي واسعد الله ايامكم ….8 اوت 2026





