التقاعد في خطر: انتهاك للعقد الاجتماعي…بقلم : محمد جمال الشرفي.
تحليل استراتيجي واستشرافي – تونس والعالم – 2026
الجزء الأول: الوضع الراهن خطير للغاية
لنبدأ بما هو قابل للتحقق، وواقعي، وموثق. نحن لا نتحدث عن مستقبل افتراضي، بل عن واقع نعيشه اليوم، أمام أعيننا مباشرة، بينما يواصل الناس العمل والمساهمة ووضع ثقتهم في نظام يُستنزف.
في تونس، الأرقام واضحة ومقلقة. من المتوقع أن يصل العجز المُجمّع للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNRPS) والصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية (CNSS)، وهما الصندوقان الرئيسيان للضمان الاجتماعي، إلى أكثر من 2.5 مليار دينار بحلول نهاية عام 2025. هذا ليس توقعًا متشائمًا من خبير اقتصادي مُثير للذعر، بل هو المسار الرسمي الذي أكدته الوزارات نفسها.
لفهم حجم المشكلة، يجب أن ننظر إلى تطورها عبر الزمن. في تسعينيات القرن الماضي، كان لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سبعة مشتركين لكل متقاعد، بينما كان لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ثمانية مشتركين لكل متقاعد. أما اليوم، فالنسبة هي مشتركان لكل متقاعد في القطاع العام وثلاثة مشتركين لكل متقاعد في القطاع الخاص. ويمكن للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يصل إلى 1.1 عامل نشط لكل متقاعد خلال العقد القادم. وعندها، لن يكون نظام الدفع الفوري نظام معاشات تقاعدية حقيقياً، بل مجرد إجراء إداري شكلي.
إن نسبة العاملين النشطين إلى المتقاعدين هي جوهر المشكلة، فهي تفسر لماذا لم تعد الإصلاحات التقليدية – كرفع سن التقاعد وزيادة معدلات الاشتراك – كافية. لا يمكننا سد فجوة هيكلية بمجرد حلول محاسبية. وتزيد مشكلة القطاع غير الرسمي من تفاقم الوضع. يبلغ معدل الامتثال العام لمتطلبات الإفصاح عن الأجور في تونس 58% فقط بحلول عام 2025. وهذا يعني أن 42% من النشاط الاقتصادي الحقيقي لا يُساهم في تمويل النظام أو دعمه، ومع ذلك سيُطالب في نهاية المطاف بمعاشات تقاعدية منه. إنها قنبلة موقوتة صامتة.
لا تتجاوز نسبة التغطية بالضمان الاجتماعي في تونس 42% من السكان، وهي نسبة منخفضة لا تُلبي الاحتياجات الحقيقية، لا سيما مع تزايد نسبة كبار السن، الذين تتجاوز نسبتهم حاليًا 16.9% من السكان فوق سن الستين.
الجزء الثاني: ما يدفعه العمال دون علمهم
هناك أمرٌ يغيب عن بال الكثير من الموظفين التونسيين: فهم لا يُساهمون بنسبة 9.68% فقط من رواتبهم الإجمالية، بل يدفع صاحب العمل في المقابل نسبة إضافية قدرها 17.07% من الراتب نفسه. تم تحديد مساهمات أصحاب العمل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بنسبة 17.07% من إجمالي الراتب منذ 1 يناير 2025. وبلغت مساهمات الموظفين 9.68% من إجمالي الراتب منذ يناير 2025. وبذلك، يمثل هذا مجتمعًا ما يقارب 26.75% من إجمالي الراتب تُحوّل مباشرةً إلى صناديق الضمان الاجتماعي، حتى قبل احتساب ضريبة الدخل.
وعند جمع كل هذه المساهمات – مساهمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضريبة الدخل، والاستقطاعات الأخرى – قد تتجاوز التكلفة الإجمالية للموظف على الشركة صافي راتبه الفعلي بنسبة تتراوح بين 40 و50%. وهذا يُشكّل عبئًا كبيرًا على الشركات، كما أنه يُرسل إشارةً ضمنيةً إلى أصحاب العمل الذين يُفضّلون القطاع غير الرسمي للبقاء اقتصاديًا. إنها حلقة مفرغة.
لذا، فإن السؤال مشروع ويجب طرحه علنًا: لماذا ندفع كل هذه المبالغ إذا كان الصندوق سينضب خلال 10 أو 15 عامًا؟ الجزء الثالث: هذه ليست مشكلة تونسية فحسب
قد يظن البعض أن هذه ظاهرة محلية، أو حالة سوء إدارة، أو مشكلة حوكمة. وهذا صحيح جزئيًا. لكن الظاهرة نفسها تحدث على مستوى العالم.
أصبح عدم الاستقرار والغموض هو الوضع الطبيعي الجديد. في ظل سياق يتسم بأزمات اقتصادية وصحية وديموغرافية، تواجه أنظمة الضمان الاجتماعي خطر تقويض قدرتها على تمويل خطط التقاعد وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة.
في فرنسا، الدولة المشهورة بنموذجها الاجتماعي المتطور، من المتوقع أن يصل عجز نظام التقاعد إلى ما يقارب 15 مليار يورو (باستثناء التضخم) في عام 2035، ثم إلى حوالي 30 مليار يورو في عام 2045. هذا على الرغم من إصلاح غير شعبي رفع سن التقاعد القانوني. ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن المجلس الاستشاري للمعاشات التقاعدية، والذي نُشر في يونيو 2024، من المتوقع أن يستمر عجز نظام التقاعد حتى عام 2070.
ليست تونس وحدها من تُقلّد أخطاء فرنسا. إنه نموذج تمويل عالمي قائم على مبدأ الدفع الفوري، يصل إلى حدوده الهيكلية كلما تغيرت التركيبة السكانية.
الجزء الرابع: سيناريوهات محتملة خلال ١٠ إلى ١٥ عامًا
إذا لم يطرأ أي تغيير هيكلي، فإليكم ما يتوقعه المنطق الرياضي والاجتماعي:
السيناريو الأول: انهيار تدريجي صامت. تستمر الخزائن في النضوب. تغطي الدولة العجز بالديون أو التحويلات من الميزانية، مما يُضعف الخدمات العامة في قطاعات أخرى. تُدفع المعاشات التقاعدية، لكن قيمتها الحقيقية تنهار بسبب التضخم. يتلقى المتقاعدون معاشًا رسميًا، لكنه لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية.
السيناريو الثاني: انهيار كامللقد انهار العقد الاجتماعي. سيدرك العاملون اليوم، في مرحلة ما، أنهم يدفعون رواتب المتقاعدين الحاليين دون أي ضمان معقول لحصولهم على معاش تقاعدي لائق. وهذا تحديدًا ما يُؤجج أزمات الثقة في المؤسسات، وتنامي العمل غير الرسمي المتعمد، وعزوف الشباب العامل عن المشاركة المدنية. فلماذا التسجيل، ولماذا المساهمة، إذا كان النظام لا يفي بوعوده؟
السيناريو الثالث: إصلاح قسري ومؤلم. إصلاح تحت ضغط، دون تهيئة اجتماعية، ودون تواصل صادق، ودون انتقال تدريجي. هذا هو السيناريو الأكثر عنفًا اجتماعيًا. فهو يُنتج مقاومة، وجمودًا، وأحيانًا عدم استقرار سياسي. وقد لمحت فرنسا لمحة من ذلك مع إصلاحها عام ٢٠٢٣.
الجزء الخامس: ما يجب فعله – استراتيجية حقيقية
لا يمكن أن يأتي الحل من أداة واحدة. بل يتطلب رؤية شاملة وجريئة وصادقة تجاه المواطنين.
أولًا، إصلاح شامل لأنظمة التقاعد الحالية. يكمن جوهر المشكلة في عجز هيكلي يرتبط أساسًا بعبء المعاشات التقاعدية، التي تمثل أكثر من 95% من نفقات الضمان الاجتماعي. هذا الوضع يجعل أي إصلاح مرهونًا حتمًا بإصلاح شامل لنظام المعاشات. لا يمكن الاستمرار في إدارة صناديق الضمان الاجتماعي من خلال تدابير قصيرة الأجل. إصلاح شامل ومنهجي ضروري: مراجعة معايير الأهلية، وربط المعاشات التقاعدية بمؤشرات اقتصادية حقيقية، والتمييز بين برامج القطاعين العام والخاص، اللذين لا يتشاركان نفس الواقع المالي.
ثانيًا، يجب دمج الاقتصاد غير الرسمي بشكل واسع. يعاني نظام الحماية الاجتماعية التونسي من أزمة هيكلية عميقة، تغذيها بشكل خاص أنشطة الاقتصاد غير الرسمي. يجب استحداث آليات بسيطة ومتاحة وقائمة على الحوافز لتشجيع العاملين في القطاع غير الرسمي على الانضمام إلى النظام. لا ينبغي فرض عقوبات فورية، بل توفير تغطية جزئية تدريجيًا. كل عامل ينضم إلى النظام الرسمي يمثل مساهمة إضافية، مما يخفف الضغط على الصناديق.
ثالثًا، يجب تخفيض العبء الضريبي على العمل المُعلن عنه بشكل مدروس. النظام الحالي يُعاقب العمل غير الرسمي. عندما تمثل المساهمات أكثر من ربع تكاليف أجور أصحاب العمل، يصبح الحافز على العمل غير الرسمي هيكليًا. ويمكن عكس هذا الاتجاه من خلال خفض مساهمات أصحاب العمل في الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة بشكل مُوجَّه، مع توسيع قاعدة المساهمات.
رابعًا، تطوير مدخرات تقاعدية تكميلية متاحة للشباب. لم يعد نموذج الدفع الفوري وحده كافيًا. يجب علينا تشجيع منطق رأس المال الفردي والجماعي، من خلال منتجات ادخارية للتقاعد ذات معاملة ضريبية مُفضَّلة. يوصي الخبراء بدمج المزيد من رأس المال في المعاشات التقاعدية، بالاستناد إلى التجارب الدولية التي تُظهر إمكانية إعادة النظر في نظام الحماية الاجتماعية لجعله أكثر شمولًا واستدامة.
خامسًا، تهيئة بيئة مُشجِّعة لاستثمار الشباب. في حين أن الدولة لم تعد قادرة على ضمان التقاعد بمفردها، إلا أنها تتحمل مسؤولية تهيئة الظروف التي تُمكِّن المواطنين من بناء أمنهم المالي طويل الأجل. يتطلب ذلك تبسيط الإجراءات الإدارية لبدء الأعمال التجارية، وتسهيل حصول رواد الأعمال الشباب على التمويل، وتوفير حوافز ضريبية حقيقية للاستثمار المُنتِج، وتنفيذ سياسات للأراضي والبنية التحتية تدعم النشاط الاقتصادي الحقيقي في المناطق.
الجزء السادس: ما لا تجرؤ الحكومات على قوله
ثمة حقيقة مزعجة يتجنب صناع السياسات في معظم الدول التصريح بها بوضوح: نظام المعاشات التقاعدية القائم على التمويل الجاري، كما بُني في منتصف القرن العشرين، كان مبنياً على افتراض ديموغرافي لم يعد قائماً.
كان هذا النظام يفترض وجود شريحة سكانية شابة ومتنامية، ومتوسط عمر متوقع محدود بعد التقاعد، وغالبية العاملين في وظائف رسمية ومعلنة، ونمو اقتصادي مستدام. لم تعد هذه الشروط الأربعة متوفرة في أي مكان في العالم المتقدم، وهي تتلاشى بسرعة في الدول النامية مثل تونس.
إن الاستمرار في إيهام العاملين اليوم بأنهم سيحصلون على نفس المعاشات التقاعدية التي حصل عليها آباؤهم هو شكل من أشكال الخداع الجماعي. تتطلب النزاهة السياسية الاعتراف بالحاجة إلى نموذج متطور، وبضرورة حماية الحقوق المكتسبة للمتقاعدين الحاليين، ولكن النظام لم يعد قادراً على ضمان الشيء نفسه للأجيال القادمة دون تغييرات هيكلية جذرية.
الخلاصة: العقد الحاسم
لن تكون السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة فترة انتقالية سلسة، بل هي السنوات التي يصبح فيها حل المشكلة إما قابلاً للإدارة أو خارجاً عن السيطرة.ستستمر نسبة العاملين إلى المتقاعدين في التدهور، وسيستمر العجز في التزايد. وكل عام يمر دون إصلاحات هيكلية يعني عامًا آخر من الديون التي ستتحملها الأجيال القادمة.
إن الأمر لا يقتصر على الجانب المالي فحسب، بل يتعلق بثقة المواطنين بالدولة، وبالوظائف الرسمية، وبفكرة أن للمساهمة اليوم معنى. وعندما تُهدم هذه الثقة، يصعب استعادتها.
لا تزال هناك فرصة سانحة، لكنها تتلاشى.
المصادر والمراجع الببليوغرافية
صحيفة لا برس دو تونسي، المعاشات التقاعدية والحماية الاجتماعية: إصلاح جوهري قيد الإعداد، يوليو 2026. متاح على lapresse.tn
أفريكان مانجر، انخفاض معدل المواليد في تونس وانخفاض المعاشات التقاعدية، يونيو 2026. متاح على africanmanager.com
صحيفة لو تان نيوز، عجز قياسي في صندوق الضمان الاجتماعي: جميع المؤشرات تنذر بالخطر، يوليو 2025. متاح على letemps.news
موقع allAfrica، تونس: صناديق الضمان الاجتماعي، العجز يتجاوز 1.1 مليار دينار في 2025، يونيو 2025. متاح على fr.allafrica.com
كابيتاليس، مكونات إصلاح صندوق الضمان الاجتماعي في تونس، أبريل 2026. متاح على kapitalis.com
صحيفة لو تان نيوز، إصلاح نظام الضمان الاجتماعي: نحو دمج أساليب عمل جديدة، مايو 2026. متاح على letemps.news
الرابطة الدولية للضمان الاجتماعي (ISSA)، التطورات والاتجاهات في الضمان الاجتماعي – العالم 2025. متاح على issa.int
المحكمة الفرنسية للمراجعين، الوضع المالي وتوقعات نظام المعاشات التقاعدية، فبراير 2025. متاح على ccomptes.fr
الجمعية الوطنية الفرنسية، تقرير لجنة المراجعة، يونيو 2024. متاح على assemblee-nationale.fr
المحاسب القانوني هشام عموري، قانون المالية 2025: تأثيره على الأجور، يناير 2025. متاح على chaexpert.com
إسبرو، الرواتب في تونس: الحساب، معدلات وصيغة CNSS 2026. متاح على esperoo.tn
CLEISS، المساهمات في تونس. متاح على cleiss.fr




