حرب المسيرات وصراع المحاور: هل تنجح كييف في تشتيت حسابات بوتين؟ حميم عاشور

حرب المسيرات وصراع المحاور: هل تنجح كييف في تشتيت حسابات بوتين؟ حميم عاشور

17 أوت 2026، 21:15

في الآونة الأخيرة، وبينما كان العالم منشغلاً بالحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز، كانت هناك جبهة في الجهة المقابلة تزداد سخونة يوماً بعد يوم؛ ونعني بها الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا منذ أربع سنوات. فبعد أن كانت كييف على وشك السقوط بيد الروس، ورحى الحرب تدور على الأراضي الأوكرانية دون سواها، فجأة تدخل هذه المواجهة منعرجاً خطيراً بعد أن نجحت أوكرانيا في نقل المعركة إلى الأراضي الروسية بفضل سلاح المسيرات الفتاك الذي طورته في ذروة الحرب، تجسيداً لمقولة “الحاجة أم الاختراع”.
هذه القدرات العسكرية منخفضة التكلفة وسهلة التشغيل مكنت الجيش الأوكراني من توجيه ضربات عسكرية دقيقة في العمق الروسي؛ بدءاً بضرب المطارات العسكرية واستهداف القاذفات الاستراتيجية الروسية في تطور نوعي لافت، وصولاً إلى استهداف صناعة النفط الروسية من خلال الهجوم الممنهج على مصافي النفط ومصانع البتروكيماويات المنتشرة في أكثر من منطقة روسية، حتى أننا رأينا المواطنين الروس —في مشهد نادر— يقفون في طوابير أمام بعض محطات الوقود. كما طالت الهجمات الأوكرانية عصب الصناعة العسكرية الروسية، وباتت تهدد سلاسل الإنتاج لديها.
صحيح أن روسيا هي الأخرى كثفت من استهدافها للمرافق الصناعية والمدنية في أوكرانيا، ولا زالت تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي الأوكرانية، غير أن استهداف أوكرانيا لصناعتها النفطية قد يحرمها من موارد مالية هامة هي في أشد الحاجة إليها في ظل العقوبات الغربية التي تخنق اقتصادها. فالصمود الأوكراني في وجه آلة الحرب الروسية لم يكن مصادفة، بل يعود الفضل فيه للدعم الأوروبي والأمريكي السخي اقتصادياً وعسكرياً، بينما لا يرتقي الدعم الصيني والكوري الشمالي لروسيا لنفس الدرجة رغم أهميته الكبيرة في إمداد موسكو بالذخائر والتكنولوجيا المزدوجة.
الدب الروسي بات مثخناً بالجراح، والحرب مع أوكرانيا تسير في اتجاه غير الذي يريده بوتين، وهو يعلم علم اليقين أن أوروبا وأمريكا هما من يساعدان أوكرانيا في الحرب، وخاصة عند توجيه الضربات نحو العمق الروسي، وما يتطلبه ذلك من معلومات استخباراتية دقيقة لا يمكن لأوكرانيا الوصول إليها دون مساعدة مباشرة من الحلفاء الغربيين.
وفي إطار ردها على إجراءات المعسكر الغربي، رفعت روسيا من مستوى العلاقة الأمنية والعسكرية مع إيران إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية العابرة للحدود كعصب أساسي في صراع المحاور العالمي. فروسيا التي اعتمدت بشكل مكثف على مسيرات “شاهد” الإيرانية لتدمير البنية التحتية الأوكرانية، ترد الدين اليوم عبر تزويد طهران بأنظمة دفاع جوي متطورة ومعلومات فضائية ولحظية عززت قدراتها في مواجهتها مع الولايات المتحدة، مما جعل من جبهة شرق أوروبا وجبهة الشرق الأوسط ملفين متداخلين في حرب واحدة لكسر العظم ضد الهيمنة الغربية.
غير أن هذا كله لن يكون كافياً حتى ينال بوتين انتقامه الذي يريد، وربما يفكر في توسيع دائرة المواجهة مع الغرب من خلال استهداف دول أوروبية أخرى عبر أدوات الحرب الهجينة والسيبرانية، لرفع كلفة الحرب عليها وتشتيت مجهودها على أكثر من جبهة، دون أن نغفل طبعاً عن التصريحات السابقة لمسؤولي الأمن الروسي التي لمحت لإمكانية لجوء روسيا للسلاح النووي التكتيكي عند الحاجة كأداة ردع أخيرة لحماية أمنها القومي.

مواضيع ذات صلة