الحكم المدني أساس حماية الحرية والتعددية والديمقراطية….امين محفوظ

الحكم المدني أساس حماية الحرية والتعددية والديمقراطية….امين محفوظ

25 جوان 2026، 22:00

في سياقات تاريخية مختلفة، يكشف تداخل السلطة الدينية مع السلطة السياسية عن أثر متكرر على حرية الفكر والمعتقد وعلى حدود التعدد داخل المجتمعات، قبل أن تتبلور لاحقًا فكرة الحكم المدني بوصفه ضمانة لحياد الدولة.

في التجربة الإسلامية المبكرة، شهدت المرحلة الأولى صراعات سياسية حادة انتهت بمقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين وهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، بينما توفي أبو بكر الصديق وفاة طبيعية وفق الرواية التاريخية المتداولة. كما تواصلت لاحقًا الخلافات بين المذاهب والاجتهادات حول قضايا مركزية مثل الإمامة والخلافة، وحدود حرية المعتقد، والعلاقة بين الدين والدولة، ومكانة المرأة، ومشروعية بعض الممارسات الدينية، بما يعكس استمرار التعدد في التأويلات داخل المجال الديني نفسه.

وفي هذا السياق، برزت توترات بين السلطة السياسية وبعض المفكرين والفلاسفة، كما في تجربة الفيلسوف ابن رشد في الدولة الموحدية، حيث واجه معارضة من بعض الفقهاء ورجال الدين، وتعرض للتضييق بسبب دفاعه عن الفلسفة والعقل وتأويل النصوص، في سياق صراع حول حدود العقل والنقل داخل المجال العام.

وفي السياق الأوروبي، شهدت العصور الوسطى تداخلًا واسعًا بين السلطة السياسية والدين، وما رافقه في فترات متعددة من تقييد لحرية الفكر والمعتقد. ومع تطور هذا المسار، برزت محاكم التفتيش كأداة لملاحقة المخالفين للعقيدة السائدة، كما شكلت محاكمة غاليليو غاليلي مثالًا بارزًا على الصراع بين المعرفة العلمية والسلطة الدينية.

ولم يقتصر الأمر على تقييد حرية الفكر، فقد عرفت أوروبا أيضًا صراعات وحروبًا دينية دامية بين الكاثوليك والبروتستانت، من أبرزها حروب الدين الفرنسية وحرب الثلاثين عامًا. ورغم أن هذه الصراعات كانت تتداخل فيها الاعتبارات الدينية والسياسية، فإنها تكشف كيف يمكن لتوظيف الدين في الصراع على السلطة أن يعمق الانقسامات ويؤدي إلى العنف.

وتُظهر هذه التجارب المتعاقبة، في السياقين الإسلامي والأوروبي، نمطًا تاريخيًا مشتركًا: فكلما اشتد تداخل السلطة الدينية مع السلطة السياسية، ضاق مجال الحرية الفكرية، وازدادت حدة الصراع حول تعريف الحقيقة ومصادر الشرعية.

ومن هنا تتضح في تونس اليوم أهمية الفرز بين رؤيتين: رؤية تعتبر الحرية والتعددية وحرية الضمير حقوقًا فردية أصيلة غير قابلة للمصادرة، ورؤية تميل، باسم الهوية أو الأغلبية الاجتماعية، إلى إخضاع المجال العام لمرجعية دينية أو فكرية واحدة.

غير أن الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات أو التداول السلمي على السلطة، بل تقوم أساسًا على حماية الحرية الفردية، واحترام التعددية، وضمان حرية الضمير، ورفض الإقصاء واحتكار الحقيقة.

لذلك، يظل الحكم المدني الإطار الأقدر على ضمان حياد الدولة، وحماية حرية الضمير، وترسيخ التعددية، ومنع توظيف الدين في الصراع السياسي، بما يسمح ببناء نظام ديمقراطي مستقر قائم على الاختلاف بدل الإقصاء، ويوفر شروط العيش المشترك في خدمة الصالح العام والتقدم.

مواضيع ذات صلة