الصحة في تونس عام 2026: حين يصبح التداوي رفاهية….بقلم : محمد جمال الشرفي.

الصحة في تونس عام 2026: حين يصبح التداوي رفاهية….بقلم : محمد جمال الشرفي.

27 أكتوبر 2026، 21:15

مستشفيات عامة ترزح تحت الضغط، ونقص في الكوادر الطبية، ومصحات خاصة باهظة التكلفة، وأجور زهيدة، وصناديق اجتماعية تعاني من صعوبات؛ خلف أزمة النظام الصحي التونسي تبرز قضية جوهرية، وهي: هل يتمتع المواطنون فعلياً بحقهم في الرعاية الصحية؟
تُعد الصحة إحدى ركائز الكرامة الإنسانية، وينبغي أن تكون متاحة للجميع، بغض النظر عن مستوى الدخل أو المهنة أو الوضع الاجتماعي. ومع ذلك، ففي تونس عام 2026، بات الحصول على الرعاية الصحية مصدراً للقلق بالنسبة لشريحة واسعة من السكان. فعندما يمرض المواطن، لم يعد تساؤله مقتصراً على نوع العلاج الذي سيشفيه، بل أصبح عليه أن يسأل أيضاً: كم سيكلفني ذلك؟ وأين أجد طبيباً متاحاً؟ وهل الأدوية متوفرة؟ وهل سأتمكن من تغطية تكاليف الفحوصات الطبية اللازمة؟
ولا يقتصر هذا القلق على الأسر الأكثر فقراً فحسب، بل يطال أيضاً الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص، والمتقاعدين، والعديد من الأسر التي تعيش بدخل متواضع، غالباً ما يقارب الحد الأدنى للأجور. وبالنسبة لهذه الفئات الاجتماعية، قد يؤدي المرض سريعاً إلى زعزعة ميزانية الأسرة بالكامل.
إذن، لا تقتصر المشكلة في تونس على نقص الأسرّة، أو تقادم التجهيزات، أو الصعوبات التي تواجهها بعض المؤسسات الصحية؛ بل إن الأمر أعمق من ذلك، إذ يتعلق بهيكلة النظام الصحي، وآليات تمويله، وتوزيع الموارد الطبية، والأهم من ذلك، القدرة الاقتصادية للمواطنين على الوصول إلى الخدمات الصحية.
إن الصعوبات المالية التي تواجهها الصناديق الاجتماعية والصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM)، والتوترات القائمة بين الجهات الممولة ومقدمي الخدمات الصحية، فضلاً عن هجرة الأطباء إلى الخارج؛ كلها مؤشرات تعكس حجم التحديات الجسيمة التي يتعين على البلاد مواجهتها.

  1. المستشفيات العمومية: مرفقٌ حيويٌّ يواجه الهشاشة
    تُعدّ المستشفيات العمومية الملاذ الصحي الرئيسي لملايين التونسيين، وهي تمثّل مرفقاً لا غنى عنه للعائلات التي لا تملك الإمكانات المادية التي تتيح لها اللجوء بانتظام إلى القطاع الخاص.
    غير أن أداء هذه المهمة يصبح بالغ الصعوبة حين تعاني المؤسسات الاستشفائية من نقص في التجهيزات، ومحدودية في الموارد البشرية، وصعوبات في التزويد، وقيودٍ على الميزانية.
    وفي بعض هذه المؤسسات، قد يواجه المرضى فترات انتظار طويلة، ومواعيد طبية بعيدة الأمد، وصعوبات في إجراء الفحوصات، أو يجدون أنفسهم مضطرين لتوفير بعض المستلزمات والأدوية بأنفسهم. ورغم أن حدة هذه الصعوبات تتفاوت بين مستشفى وآخر وبين منطقة وأخرى، إلا أن تكرارها يرسّخ شعوراً بتراجع جودة المرفق العام.
    لا يمكن للمستشفى أن يعمل بكفاءة بمجرد توفر المباني؛ فهو يحتاج إلى تجهيزاتٍ خاضعةٍ للصيانة، ومواد استهلاكية متوفرة، ومختبراتٍ فاعلة، وخدمات تصويرٍ طبيٍّ متطورة، وكوادر بشرية كافية لضمان استمرارية تقديم الرعاية الصحية.
    وعندما يتعطل جهازٌ طبي، أو يعاني قسمٌ ما من نقصٍ في الموظفين، أو يغيب دواءٌ ضروري، فإن المرضى هم من يتحملون العواقب؛ فتأجيل فحصٍ طبيٍّ قد يؤخر التشخيص، وتأخير تدخلٍ علاجيٍّ قد يطيل أمد المعاناة، بينما قد تجد العائلات التي تضطر لدفع تكاليف الفحوصات في جهات أخرى نفسها في وضعٍ ماليٍّ صعب.
    وعليه، فإن أزمة المستشفيات العمومية لا تقتصر على جوانب الإدارة فحسب، بل تمسّ بشكلٍ مباشرٍ جودة الرعاية الصحية، وفرص الشفاء، والثقة القائمة بين المواطنين والمؤسسات.
    ويزداد هذا الوضع إثارةً للقلق بالنظر إلى أن الصعوبات المالية في القطاع العام تندرج ضمن أزمةٍ أوسع تتعلق بالتمويل والمديونية، وتحديداً في العلاقات المالية بين الهياكل الصحية والجهات المسؤولة عن سداد تكاليف خدماتها.
  2. نقص الأطباء وأطقم الرعاية الصحية: أزمة تزداد تفاقماً
    إلى جانب الصعوبات المادية، تبرز مشكلة رئيسية أخرى، وهي نقص الكوادر الطبية في المؤسسات العامة، فضلاً عن التوزيع غير المتكافئ للكفاءات على امتداد البلاد.
    تزخر تونس بالأطباء والأخصائيين والممرضين والفنيين الصحيين المؤهلين؛ ومع ذلك، فإن وجود هؤلاء المهنيين الأكفاء لا يكفي وحده لضمان الحصول على الرعاية الصحية بشكل مرضٍ. إذ لا بد أيضاً من تواجدهم في المؤسسات التي يحتاجهم فيها المرضى، وذلك ضمن ظروف عمل مقبولة.
    وتشير بيانات وزارة الصحة، التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، إلى أن البلاد كانت تضم في عام 2024 ما مجموعه 15,315 طبيباً، منهم…يعمل 6113 طبيباً في قطاع الصحة العامة. ويُبرز هذا الرقم، من بين أمور أخرى، الدور الهام الذي يضطلع به القطاع الخاص في تقديم الرعاية الطبية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع الأطباء العاملين في القطاع الخاص يغيبون تماماً عن الخدمة العامة.
    كما تثير هجرة الأطباء قلقاً بالغاً؛ فوفقاً لمقال نشرته صحيفة “لا برس دو تونيزي” (La Presse de Tunisie) في يناير 2026، غادر أكثر من 6000 طبيب البلاد خلال أربع سنوات. وتُعزى هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، منها صعوبة ظروف العمل، وتدني الرواتب، ونقص التجهيزات، ومحدودية الآفاق المهنية.
    ولا يقتصر أثر مغادرة الطبيب للبلاد على كونه خسارة فردية فحسب؛ إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الأقسام الاستشفائية، وزيادة أعباء العمل على الزملاء المتبقين، وتقليص خيارات الرعاية المتاحة للمرضى.
    وتتفاقم هذه التبعات بشكل خاص في التخصصات التي تتطلب مهارات نادرة، وكذلك في المناطق التي يواجه فيها القطاع الصحي صعوبات في استقطاب الكوادر الطبية والحفاظ عليها.
    ومع ذلك، سيكون من المجحف تحميل الأطباء وحدهم مسؤولية هذا الوضع. فالممارس الصحي يحتاج إلى أجرٍ لائق، وموارد تقنية كافية، وتنظيمٍ فعّال، وظروف عمل تتناسب مع طبيعة مهنته النبيلة. لذا، فإن مطالبة الأطباء وحدهم بتعويض أوجه القصور الهيكلية في النظام الصحي تعني تجاهل الأسباب الجذرية للمشكلة.
    وعليه، تكمن المسألة الحقيقية في مدى قدرة الدولة على الحفاظ على كفاءاتها الطبية، وتحسين ظروف العمل، وضمان توزيع أكثر توازناً للكوادر الصحية بين مختلف المناطق والقطاعات.
  3. العيادات الخاصة: حلٌ للبعض، ورفاهيةٌ للكثيرين
    في ظل الصعوبات التي تشهدها المستشفيات العامة، غالباً ما تظهر العيادات الخاصة كبديلٍ متاح؛ فهي توفر مواعيد أسرع، وتجهيزات متطورة، ومستوى من الرعاية يحظى بتقدير المرضى.
    لكن هذا الحل يأتي بتكلفة باهظة.
    فبالنسبة لموظف يتقاضى حوالي 550 ديناراً شهرياً، تُعد تكلفة استشارة الطبيب المختص -التي تتراوح بين 60 و70 ديناراً- عبئاً مالياً كبيراً. وإذا أضفنا إلى ذلك تكاليف الفحوصات المخبرية، والأشعة الطبية، والأدوية، ونفقات التنقل، واحتمالية الحاجة إلى دخول المستشفى، فقد تتجاوز الفاتورة الإجمالية القدرة المالية للأسرة بشكل كبير. على سبيل المثال، تراوحت رسوم الاستشارات الطبية في القطاع الخاص -وفقاً لما نُشر في يناير 2025- ما بين 40 و55 ديناراً لدى الأطباء العامين، وما بين 55 و80 ديناراً لدى الأطباء الاختصاصيين. وتُعد هذه الأرقام بمثابة مؤشر استرشادي نُشر في ذلك الوقت، ولا ينبغي اعتبارها قائمة شاملة للرسوم المطبقة فعلياً في أكتوبر 2026.
    ولنأخذ مثالاً بسيطاً: تبلغ تكلفة استشارة طبيب اختصاصي 70 ديناراً، وهو ما يعادل تقريباً 12.6% من الراتب الشهري البالغ 554.736 ديناراً، وهو الحد الأدنى للأجور (SMIG) المعتمد لأسبوع عمل مدته 48 ساعة، بدءاً من الأول من يناير 2026.
    وهذا يخص استشارة واحدة فقط؛ إذ إن الإصابة بمرض يتطلب فحوصات متعددة، أو علاجاً مستمراً، أو إجراء جراحة، قد تؤدي إلى نفقات أعلى بكثير.
    وتتفاقم المشكلة عندما يضطر المرضى إلى دفع التكاليف مقدماً قبل الحصول على أي استرداد مالي من الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM). وقد يكون الاسترداد جزئياً، وخاضعاً لسقوف محددة، ومرتبطاً بمعايير استحقاق معينة. وبالنسبة للأسر ذات المدخرات المحدودة، قد يكون من المستحيل سداد هذه النفقات فوراً، حتى وإن كان بالإمكان استردادها لاحقاً.
    وهذا يخلق نوعاً من التفاوت في الحصول على الرعاية الصحية؛ فبينما يختار بعض المرضى طبيبهم بناءً على الثقة والاحتياجات الطبية، يضطر آخرون للاختيار بناءً على ميزانيتهم ​​المتاحة.
    وبالمثل، ينبغي الحذر من تصوير جميع العيادات الخاصة على أنها مثالية وخالية من العيوب. فقد كشف تقرير صادر عن اللجنة العليا للرقابة الإدارية والمالية في عام 2025 عن وجود أوجه قصور تتعلق بالرقابة الصحية، ومدى التزام المنشآت بالمعايير، وإدارة التجهيزات الطبية. لذا، يجب أن يلتزم القطاع الخاص بنفس معايير الشفافية والجودة والسلامة المطبقة في القطاع العام.
    ولا ينبغي أن يقتصر النقاش على وضع المستشفيات العامة في مواجهة العيادات الخاصة؛ بل ينبغي أن يركز على كيفية ضمان حصول كل مواطن على رعاية صحية عالية الجودة، وبتكلفة تتناسب مع إمكانياته المادية….وذلك بغض النظر عن المؤسسة التي يتلقى فيها المريضُ الرعايةَ.
  4. العيش بـ “الحد الأدنى المضمون للأجور” (SMIG): حين يهدد المرضُ توازنَ الأسرة
    تُعد مسألة الدخل عنصراً جوهرياً لفهم الصعوبات التي تعترض الحصول على الرعاية الصحية في تونس.
    اعتباراً من الأول من يناير 2026، حُدِّد الحد الأدنى المضمون للأجور في القطاعات غير الزراعية بـ 554,736 ديناراً شهرياً لنظام عملٍ قوامه 48 ساعة أسبوعياً، وبـ 470,251 ديناراً لنظام عملٍ قوامه 40 ساعة أسبوعياً. وتستند هذه المبالغ إلى المرسوم الصادر عام 2026 والمتعلق بالحد الأدنى للأجور.
    وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة عند مقارنتها بالنفقات اليومية للأسرة، والتي تشمل: السكن، والغذاء، والكهرباء، والمياه، والنقل، والتعليم، والملابس، وسداد القروض إن وُجدت.
    بالنسبة لأسرةٍ يقترب دخلها الشهري من الحد الأدنى القانوني للأجور، يمكن لنفقةٍ طبيةٍ غير متوقعة أن تُربك الميزانية بأكملها. فقد يجد أفراد الأسرة أنفسهم مضطرين للاختيار بين دفع تكاليف فحصٍ طبي أو سداد فاتورةٍ أخرى، أو بين شراء دواءٍ أو توفير نفقات الغذاء، أو بين الحصول على استشارةٍ طبيةٍ عاجلةٍ أو تأجيل الأمر إلى الشهر التالي.
    وتتفاقم هذه الصعوبة عندما يكون راتبٌ واحدٌ هو المصدر الوحيد لإعالة عدة أشخاص.
    وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين “الحد الأدنى القانوني للأجور” وبين الدخل الذي يتقاضاه الأفراد فعلياً. فليس كل العمال في تونس يتقاضون هذا الحد الأدنى، كما لا تتوفر -ضمن المعطيات المذكورة هنا- إحصائيات دقيقة وموثوقة تؤكد أن غالبية السكان يتقاضون أقل من هذا المستوى. ومع ذلك، فإن العمال الذين يعملون في ظروفٍ غير مستقرة، أو في القطاع غير الرسمي، أو أولئك الذين لا تُصان حقوقهم العمالية بشكلٍ سليم، قد يجدون أنفسهم بدخلٍ يقل عن الحد الأدنى القانوني.
    وبالنسبة لهؤلاء، تبرز صعوبةٌ مزدوجة: ضعف القدرة الشرائية، ونقصٌ في الحماية الاجتماعية في كثيرٍ من الأحيان.
    إن رفع الحد الأدنى للأجور خطوةٌ ضروريةٌ لتحسين الدخل، لكنها لا تمثل حلاً شاملاً لكل المشكلات. إذا كانت تكاليف الرعاية الصحية والسكن والسلع الأساسية تلتهم جزءاً متزايداً من الأجر، فإن التحسن الاسمي في الدخل قد يظل غير كافٍ لتلبية متطلبات الحياة اليومية.
    ولا يمكن اعتبار النظام الصحي متاحاً فعلياً إذا اضطر المواطن إلى الاستدانة، أو بيع ممتلكاته، أو التخلي عن احتياجات أساسية أخرى من أجل الحصول على العلاج.
    وهذا هو الواقع الذي ينبغي أن تعالجه سياسة صحية تركز على احتياجات السكان.
  5. الصناديق الاجتماعية والصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM): الحلقة المالية المتعثرة
    لا يمكن فهم أزمة القطاع الصحي في تونس دون النظر في وضع الهيئات التي تمول الرعاية الصحية وتوفر الحماية الاجتماعية.
    ورغم اختلاف الأدوار التي يؤديها كل من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (CNRPS)، والصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM)، إلا أن توازناتها المالية مترابطة بشكل وثيق. إذ يمكن أن تؤثر صعوبات التمويل وتحويل الاشتراكات سلباً على عمليات استرداد المصاريف، وسداد مستحقات مقدمي الخدمات الصحية، واستمرارية تقديم الخدمات.
    وفي يناير 2026، نقلت وكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات) توضيحات أدلى بها أحد خبراء الحماية الاجتماعية حول أزمة السيولة التي يواجهها الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM). ووفقاً لهذا الخبير، كان الصندوق يسجل فائضاً محاسبياً يقارب 900 مليون دينار، لكنه في الوقت ذاته يعاني من نقص في السيولة النقدية، مما حال دون سداده للديون المستحقة للأطباء والصيادلة ومقدمي الخدمات الصحية من القطاع الخاص بشكل طبيعي.
    وهذا التمييز جوهري؛ فوجود فائض محاسبي لا يعني بالضرورة توفر سيولة نقدية كافية لسداد الفواتير فوراً. فقد يظهر الصندوق رصيداً إيجابياً على الورق، بينما يعاني في الواقع من تأخيرات في تحصيل الاشتراكات أو في التحويلات المالية بين الهيئات المختلفة.
    ويمكن أن تكون العواقب ملموسة للغاية.
    فعندما ينتظر مقدم الخدمة الصحية الحصول على مستحقاته، قد يواجه هو نفسه صعوبات في تغطية أعبائه المالية. أما عندما تتأخر عمليات استرداد المصاريف، يضطر المؤمن عليهم إلى استخدام أموالهم الخاصة لتغطية التكاليف. عندما تتفاقم التوترات بين الجهات الممولة والمهنيين، يجد المرضى أنفسهم، في كثير من الأحيان، عالقين في خضم هذا النزاع.
    وبذلك، تتجاوز المشكلة حدود العلاقات بين المؤسسات، لتطال بشكل مباشر ثقة المواطنين في نظام التغطية الصحية الخاص بهم.
    وفي سياق متصل، شهد شهر مارس 2026 دعوات على أعلى المستويات في الدولة لإجراء إصلاح هيكلي لصناديق الضمان الاجتماعي؛ حيث أقرت الحكومة بضرورة مراجعة شاملة لنظام الضمان الاجتماعي وتوازناته المالية.
    ومع ذلك، سيكون من التبسيط حصر جميع الصعوبات في نقص الموارد المالية فحسب؛ إذ تتعلق المسألة أيضاً بآليات تحصيل الاشتراكات، وعمليات التحويل المالي بين الصناديق، والحوكمة، وضبط النفقات، والشفافية، ومدى ملاءمة الموارد……الموارد المتاحة والاحتياجات الفعلية.
    ينبغي لأي إصلاح جاد أن يعالج هذه الجوانب المختلفة، دون تحميل المؤمن عليهم -الذين يعاني الكثير منهم بالفعل من دخل محدود- أعباءً إضافية بشكل تلقائي.
  6. الأدوية: عبء مالي إضافي على المرضى
    يُعد الوصول إلى الأدوية مؤشراً آخر على هشاشة النظام الصحي.
    فلا جدوى من الاستشارة الطبية إذا لم يتمكن المريض من الحصول على العلاج الموصوف له. وعندما يغيب دواءٌ ما عن قنوات التوزيع المعتادة، قد يضطر المريض إلى البحث في صيدليات أخرى، أو التنقل، أو العودة مراراً وتكراراً، أو شراء بديل دوائي (إذا كان ذلك مناسباً من الناحية الطبية).
    ولا تقتصر هذه الإجراءات على إهدار الوقت فحسب، بل تترتب عليها أيضاً نفقات إضافية.
    وفي مارس 2026، أفادت وزارة الشؤون الاجتماعية بأن السلطات قد بحثت الصعوبات المتعلقة بالوصول إلى الأدوية الأساسية والمتخصصة، لا سيما في ظل الانقطاعات المتكررة في توفر بعض الأصناف؛ وهو ما أدى إلى تحميل المرضى أعباءً مالية إضافية.
    وبالنسبة للمصابين بأمراض مزمنة، قد تكون العواقب وخيمة للغاية؛ إذ يتطلب الأمر غالباً الالتزام بالعلاج لسنوات. فالنفقات التي تبدو بسيطة عند حدوثها لمرة واحدة، قد تصبح عبئاً يصعب تحمله عندما تتكرر شهرياً.
    وهكذا، تجد الأسر نفسها مضطرة لتحمل تكاليف الأدوية، واستشارات المتابعة، والتحاليل الطبية، ونفقات التنقل. والأكثر من ذلك، أن إصابة أحد أفراد الأسرة بمرض لا تعني اختفاء النفقات الأخرى المعتادة.
    لذا، يجب أن ترتكز سياسة الأدوية على عدة أولويات: استشراف الاحتياجات بشكل أفضل، وإدارة المخزون بشفافية، وضمان استقرار الإمدادات، وتوفير تمويل يكفل توافر العلاجات الحيوية.
  7. التغطية الصحية لا تضمن دائماً إمكانية الحصول الفعلي على الرعاية
    إن الانخراط في صندوق للتأمين الصحي لا يعني بالضرورة القدرة على تلقي العلاج في ظروف ملائمة. قد تكون الحماية الاجتماعية غير كافية في حالات عدة: عندما لا تكون الحقوق مفعلة، أو عندما تتسم عمليات استرداد النفقات بالبطء الشديد، أو عندما يضطر المريض إلى دفع مبالغ طائلة مقدماً، أو عندما لا تكون الخدمات المشمولة بالتغطية متاحة بسهولة.
    وقد أشار رأي صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي في أبريل 2026 إلى أوجه القصور في التغطية الصحية في المغرب؛ غير أنه لا ينبغي إسقاط هذه المعطيات على الحالة التونسية. ففي تونس، يجب الاعتماد حصراً على الأرقام والإحصائيات الصادرة عن الهيئات الوطنية والمؤسسات الصحية المحلية.
    وتُظهر الحالة التونسية ضرورة التمييز بين ثلاثة جوانب: التسجيل في نظام معين، والتفعيل الفعلي للحقوق، والقدرة -من الناحيتين المالية والجغرافية- على الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
    فقد يواجه الموظف، رغم انتظامه في دفع الاشتراكات، صعوبات عملية في الحصول على العلاج. كما قد يعاني العامل المستقل من عدم انتظام دخله، مما يجعل سداد الاشتراكات أمراً شاقاً. أما من يعملون في القطاع غير الرسمي (دون تصريح)، فقد يجدون أنفسهم بلا حماية كافية في اللحظة التي تشتد فيها حاجتهم إليها.
    وعليه، يكمن التحدي في بناء نظام تغطية يوفر حماية فعلية للمواطنين، لا مجرد هيكل إداري نظري.
    إن التضامن الوطني لا ينبغي أن يقتصر على دفع الاشتراكات فحسب، بل يجب أن يترجم إلى إمكانية حقيقية للمواطن لاستشارة الأطباء، وإجراء الفحوصات الضرورية، وتلقي العلاج، دون أن تشكل وضعيته المالية عائقاً يحول دون ذلك.
  8. التفاوتات الجهوية: لا ينبغي أن يحدد “الرمز البريدي” فرص الحصول على العلاج
    لا تتخذ صعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية النمط ذاته في جميع أنحاء تونس.
    فالمراكز الحضرية الكبرى تتمتع عادةً بخدمات طبية أكثر تنوعاً، وإن كانت هي الأخرى تعاني من مشكلات تتعلق بتوافر الخدمات، وطول فترات الانتظار، والتكلفة. أما في بعض المناطق الداخلية، فقد يضطر المرضى -بسبب بُعد المسافة عن الأطباء المختصين أو غياب بعض التجهيزات الطبية- إلى الانتقال إلى ولايات أخرى.
    وهكذا، يصبح الحصول على موعد طبي أمراً يتجاوز مجرد إجراء استشارة طبية عادية. يتطلب الأمر دفع تكاليف التنقل، وأحياناً الإقامة، والحصول على إجازة من العمل، وتدبير رعاية للأطفال أو للأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة.
    وبالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود، قد تكون هذه الأعباء كافية لثني أفرادها عن طلب استشارة طبية هم في أمسّ الحاجة إليها.
    وعليه، فإن البعد الجغرافي لا ينفصل عن البعد الاجتماعي؛ فالحصول على رعاية طبية ميسورة التكلفة في تونس العاصمة قد يظل أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لشخص يعيش بعيداً عن المراكز المتخصصة.
    لذا، لا بد من تعزيز الهياكل الصحية المحلية، وتحسين التجهيزات في الجهات، وتطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية، وضمان توفر تغطية طبية كافية….في المناطق التي تعاني من نقص في الخدمات.
    لا ينبغي أن يكون الهدف هو زيادة تركيز الموارد في المراكز الحضرية المجهزة جيداً بالفعل، بل ضمان توفير حد أدنى من الرعاية الصحية عالية الجودة لجميع المواطنين.
  9. ما هي الإصلاحات المطلوبة للخروج من هذا المأزق؟
    يتطلب الوضع اتخاذ قرارات ملموسة، قابلة للتقييم، ومستدامة على المدى الطويل.
    تتمثل الأولوية الأولى في تأهيل المستشفيات العامة ورفع كفاءتها. ويستلزم ذلك تخصيص ميزانيات دورية للصيانة، وتجديد المعدات الضرورية، وضمان توفر الأدوية بشكل أفضل، واعتماد إدارة أكثر صرامة لعمليات الشراء. كما يجب أن تستجيب الاستثمارات للاحتياجات الطبية الفعلية، بدلاً من أن تكون مجرد إجراءات شكلية تهدف إلى الاستعراض.
    وتتمثل الأولوية الثانية في الحفاظ على الموارد البشرية. إذ ينبغي تحسين ظروف العمل، وتقليص المهام الإدارية غير الضرورية، وتوفير آفاق مهنية واعدة للأطباء الشباب، ودعم طواقم التمريض والكوادر الطبية المساعدة. كما يجب تقديم حوافز تشجع المهنيين على العمل والاستمرار في المناطق التي تعاني من نقص في الكوادر.
    وتتعلق الأولوية الثالثة بتمويل الرعاية الصحية. إذ ينبغي تسوية الديون القائمة بين هيئات الضمان الاجتماعي ومقدمي الخدمات، وضمان أمن المدفوعات، وزيادة شفافية التدفقات المالية. كما يجب أن يضمن إصلاح الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM) استمرارية أفضل لعمليات التعويض، وتجنب أن يكون المرضى هم الضحايا الأوائل للخلافات المالية.
    أما الأولوية الرابعة فهي ضبط النفقات التي تتحملها الأسر مباشرة. ويتطلب ذلك مراجعة التكاليف التي يدفعها المرضى من جيوبهم (المبالغ المتبقية على عاتقهم)، وسقوف التعويض، وآليات حماية الفئات الأكثر ضعفاً. وتستحق الأمراض المزمنة، والعلاجات الباهظة التكلفة، والحالات التي تتطلب إقامة طويلة في المستشفيات اهتماماً خاصاً.
    وتتعلق الأولوية الخامسة بدخل العمال وحمايتهم الاجتماعية. ويُعد الالتزام بالحد الأدنى للأجور، ومكافحة العمل غير المصرح به (غير الرسمي)، وتحسين التغطية الاجتماعية أموراً جوهرية. كما ينبغي التفكير في آليات تضامنية تتيح للأشخاص الذين يفتقرون إلى موارد كافية الحصول على الرعاية الصحية الضرورية. وأخيراً، لا بد أن تقترن أي سياسة صحية ذات مصداقية بمؤشرات عامة معلنة، تشمل: فترات الانتظار للحصول على المواعيد، وتوافر الأدوية، وجاهزية المعدات الطبية، والوظائف الطبية الشاغرة، وآجال استرداد النفقات الطبية، وحجم التكاليف التي يتحملها المرضى من مالهم الخاص.
    ففي غياب بيانات متاحة للجمهور وتقييمات دورية، يصعب معرفة ما إذا كانت الإصلاحات تحقق تحسناً فعلياً في حياة المواطنين.
    خاتمة : الرعاية الصحية لا ينبغي أن تكون رهينةً للقدرة المالية
    تزخر تونس بكفاءات طبية ومهنيين مؤهلين، وتمتلك خبرة واسعة في تنظيم قطاع الرعاية الصحية. ومع ذلك، لم تعد هذه المقومات كافية لتبديد المخاوف الناجمة عن الصعوبات التي تواجه المستشفيات العمومية، وارتفاع تكاليف القطاع الخاص، والضغوط المالية على صناديق الضمان الاجتماعي، فضلاً عن ضعف القدرة الشرائية لدى قطاع واسع من السكان.
    وتكمن الإشكالية الجوهرية في مدى التناغم بين الاحتياجات الصحية، والإمكانات المتاحة، والموارد المالية للأسر.
    فعندما يتقاضى الموظف أجراً لا يكاد يتجاوز الحد الأدنى للأجور، وتستنزف تكلفة الكشف الطبي جزءاً كبيراً من دخله، وقد تؤدي تكاليف الإقامة في المستشفى إلى زعزعة الاستقرار المالي للأسرة بأكملها؛ فإن “الحق في الرعاية الصحية” يظل مجرد شعار نظري.
    ولا يكفي هنا زيادة الميزانيات أو تكثيف الوعود والإعلانات؛ بل يجب ضمان تحويل الأموال المخصصة للصحة إلى خدمات فعلية، وأدوية ميسورة التكلفة، وتجهيزات طبية صالحة للاستخدام، وكوادر بشرية تتواجد حيثما يحتاج إليها المرضى.
    كما ينبغي استعادة الثقة في صناديق الضمان الاجتماعي، وضمان موثوقية عمليات استرداد النفقات الطبية، وتوفير الحماية للأشخاص الذين لا تسمح لهم مداخيلهم بمواجهة النفقات الطبية الطارئة.
    إن المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام صحي لا يكمن في عدد العيادات التي يتم تشييدها أو مدى تطور التجهيزات الطبية، بل في قدرة المواطن العادي على تلقي العلاج في الوقت المناسب، دون أن يشكل ذلك تهديداً لظروف معيشة أسرته. في عام 2026، يطرح السؤال نفسه بكل صراحة: هل لا تزال الرعاية الصحية في تونس حقاً مضموناً للجميع، أم أنها تتحول تدريجياً إلى خدمة تعتمد جودتها على الإمكانيات المالية للفرد؟
    ولن تكمن الإجابة في الخطابات، بل في الإصلاحات والقرارات المتعلقة بالميزانية، وفي النتائج الملموسة التي تنعكس على الحياة اليومية للتونسيين.

ملاحظة توضيحية: يستند هذا المقال إلى وثائق صادرة عن مؤسسات رسمية ومواد صحفية متاحة خلال عامي 2025 و2026. وتتوافق مبالغ الحد الأدنى للأجور (SMIG) المذكورة مع المعدلات السارية اعتباراً من الأول من جانفي 2026. أما أسعار الخدمات في القطاع الخاص، فهي تستند إلى مؤشرات نُشرت في جانفي 2025، وقد تكون طرأت عليها تغييرات. وتجدر الإشارة إلى أن الأوضاع الموصوفة قد تختلف باختلاف المؤسسات والمناطق وأنظمة التغطية الصحية.

مواضيع ذات صلة