الإعلام التونسي في 2026: من سلطة المعلومة إلى سلطة التفاهة….بقلم : محمد جمال الشرفي.

الإعلام التونسي في 2026: من سلطة المعلومة إلى سلطة التفاهة….بقلم : محمد جمال الشرفي.

26 أكتوبر 2026، 21:44

لم تعد المفارقة التي يعيشها الإعلام في تونس سنة 2026 مرتبطة فقط بمدى حرية الصحافة أو حجم المؤسسات الإعلامية أو قدرتها على الوصول إلى الجمهور، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أعمق وأكثر خطورة، ماذا بقي من وظيفة الإعلام عندما تصبح التفاهة أكثر حضورًا من الحقيقة، والإثارة أكثر جاذبية من التحليل، والضجيج أعلى صوتًا من المعرفة؟
في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل إنتاج المعلومات وتداولها، يجد المتلقي التونسي نفسه أمام مشهد إعلامي تتزاحم فيه الأخبار الجادة مع الإشاعات، والبرامج التحليلية مع المحتويات السطحية، والمعلومة الموثوقة مع الروايات المفبركة. وهنا تتجلى المفارقة: لقد أصبحت وسائل الوصول إلى المعرفة أكثر تطورًا من أي وقت مضى، لكن تطور الوسائل لا يعني بالضرورة تطور المضمون، ولا يضمن أن يكون الجمهور أكثر وعيًا بما يحدث حوله.
إن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، ولا في انتقال الجمهور إلى المنصات الرقمية، فهذه التحولات طبيعية وضرورية. المشكلة تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا من أداة لنشر المعرفة وتوسيع آفاق النقاش العام إلى وسيلة لإنتاج التفاهة وتسويق الإثارة واستقطاب المشاهدات بأي ثمن. عندها لا يعود السؤال متعلقًا بقدرة الإعلام على الوصول إلى الناس، بل بقدرته على احترام عقولهم وتقديم ما يساعدهم على فهم واقعهم.
من منبر إعلامي إلى سوق مفتوحة للضجيج
كان الإعلام، في جوهر وظيفته، فضاءً لنقل المعلومة والتحقيق في الوقائع ومساءلة أصحاب القرار وتفسير الأحداث ووضع القضايا العامة أمام الرأي العام. ولم يكن دوره مقتصرًا على إخبار الناس بما حدث، بل كان يتمثل أيضًا في مساعدتهم على فهم أسباب ما حدث، والتمييز بين الوقائع والآراء، واكتشاف المصالح التي قد تختبئ خلف الخطاب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
لكن جزءًا من المشهد الإعلامي التونسي بات يثير تساؤلات جدية بشأن المسافة التي تفصله عن هذه الوظيفة. فحين تتراجع قيمة التحقيق والبحث والتفسير أمام منطق الإثارة، وحين تصبح الخصومات الشخصية والمشاحنات والموضوعات الهامشية مادة متكررة للبرامج، يفقد الإعلام تدريجيًا دوره التنويري، ويتحول إلى مساحة لاستهلاك الانفعالات بدلًا من إنتاج الأفكار.
وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن إعلام «الكسرونات»، بوصفه تعبيرًا نقديًا عن المحتوى الذي يختزل النقاش العام في تفاصيل الحياة الخاصة والمشاحنات والفضائح والاستعراض، ويقدمها باعتبارها قضايا تستحق المتابعة اليومية، حتى عندما لا تكون لها قيمة حقيقية في فهم مشكلات المجتمع. والمقصود هنا ليس مهاجمة فئة اجتماعية بعينها أو التقليل من شأن الحياة اليومية للناس، بل نقد تحويل الخصوصيات والخلافات الشخصية إلى مادة إعلامية دائمة، على حساب الملفات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، مثل التعليم والصحة والنقل والتشغيل والقدرة الشرائية ومستقبل الشباب.
إن خطورة هذا النمط لا تكمن في وجود برامج ترفيهية أو محتويات خفيفة، فالإعلام ليس مطالبًا بأن يكون جادًا في كل لحظة. إنما تكمن في اختلال التوازن، عندما تصبح التفاهة هي القاعدة، بينما تتحول القضايا الجدية إلى استثناء عابر لا يجد الوقت أو المساحة الكافيين.
وعندما يعتاد الجمهور هذا النوع من المحتوى، قد تصبح القضايا المصيرية ثقيلة على اهتمامه، في حين تبدو الخلافات المفتعلة والفضائح أكثر إثارة وجاذبية. وهكذا لا يكتفي الإعلام بعكس اهتمامات المجتمع، بل يساهم أحيانًا في تشكيلها وتوجيهها، ويصبح جزءًا من دائرة تعيد إنتاج التفاهة باستمرار.
إعلام التفاهة: عندما تصبح المشاهدة أهم من المعلومة
من أبرز التحولات التي تستحق النقد ما يمكن تسميته بإعلام التفاهة، وهو إعلام يقيس نجاحه أساسًا بعدد المشاهدات والتفاعلات، لا بعمق الموضوع أو قيمته المعرفية أو أثره في المجتمع. في هذا النموذج، قد يحظى مقطع يتضمن مشادة كلامية بانتشار واسع، بينما يمر تحقيق معمق حول تدهور الخدمات العامة أو أزمة التعليم أو أسباب البطالة دون أن يثير الاهتمام نفسه.
وهنا تظهر معضلة اقتصادية ومهنية في آن واحد. فالمؤسسات الإعلامية تحتاج إلى الجمهور والإعلانات والاستمرارية المالية، لكن عندما يصبح عدد المشاهدات المعيار شبه الوحيد للنجاح، تتحول المنافسة من تقديم الأفضل إلى تقديم الأكثر إثارة. وقد يدفع ذلك بعض المؤسسات إلى تفضيل المحتوى السهل والسريع، حتى لو كان فقيرًا في المعلومات أو محدود الفائدة.
وتزداد المشكلة عندما تختلط الوظيفة الإعلامية بالاستعراض الشخصي، فيصبح الضيف حاضرًا بسبب قدرته على إثارة الجدل، لا بسبب خبرته، ويصبح النقاش ساحة لتبادل الاتهامات بدلًا من تحليل الوقائع. وفي هذه الحالة، لا يعود المتلقي أمام حوار يساعده على التفكير، بل أمام عرض متكرر للانفعالات، يُطلب منه أن يختار فيه طرفًا يشجعه وطرفًا يهاجمه.
ولا يمكن تحميل الصحفي وحده مسؤولية هذا التحول، لأن المسألة ترتبط أيضًا بملكية المؤسسات، ومصادر تمويلها، واستقلالية التحرير، وطبيعة السوق الإعلانية، والضغوط السياسية والاقتصادية التي تعمل في ظلها. وتشير منظمة مراسلون بلا حدود، في تقييمها للمشهد التونسي لسنة 2026، إلى تأثير المصالح السياسية والاقتصادية في استقلالية غرف الأخبار، وإلى ارتباط عائدات الإعلانات بحجم الجمهور. كما وضعت تونس في المرتبة 137 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لسنة 2026. وهذه المؤشرات تتعلق أساسًا بحرية الصحافة واستقلاليتها، ولا تمثل بمفردها مقياسًا مباشرًا لجودة كل البرامج أو مدى انتشار التفاهة، لكنها تكشف عن بيئة إعلامية تواجه تحديات جدية.
إعلام الفيسبوك: من يملك حق صناعة الحقيقة؟
إذا كان الإعلام التقليدي يواجه أزمة في المضمون والاستقلالية، فإن شبكات التواصل الاجتماعي أضافت إلى المشهد تحديًا آخر: أصبح بإمكان أي شخص تقريبًا أن ينشر خبرًا أو تسجيلًا أو اتهامًا، وأن يصل به إلى آلاف أو حتى ملايين المستخدمين، من دون أن يخضع بالضرورة لقواعد التثبت الصحفي أو المساءلة المهنية.
لقد منح فيسبوك وغيره من المنصات المواطنين قدرة مهمة على التعبير عن آرائهم، وكشف بعض التجاوزات، وتوثيق الأحداث التي قد لا تحظى بتغطية إعلامية كافية. ولا يجوز تجاهل هذه الإيجابيات أو التعامل مع الإعلام الرقمي باعتباره مشكلة في حد ذاته. لكن حرية النشر لا تعني صحة المنشور، وكثرة المشاركات لا تثبت صدق الخبر، وعدد المتابعين لا يحوّل صاحبه إلى مصدر موثوق.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة تختلط فيها الأخبار بالشائعات، والصور الحقيقية بالصور المقتطعة من سياقها، والتسجيلات الأصلية بالمقاطع المعدلة، والتحليلات بالادعاءات التي لا تستند إلى أي دليل. وقد يجد المتلقي نفسه أمام روايتين متناقضتين للحدث نفسه، وكل واحدة منهما تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة المطلقة.
وقد وثّق تحقيق نشرته شبكة أريج للصحافة الاستقصائية في 6 ماى 2026 حملات تضليل على فيسبوك استهدفت مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في تونس، من خلال منشورات مضللة وادعاءات غير مثبتة ساهمت في تأجيج العداء ضدهم. ويبيّن هذا المثال أن التضليل ليس مجرد خلل في تداول المعلومات، بل قد تكون له نتائج اجتماعية ملموسة عندما يتحول إلى أداة لتوجيه مشاعر الجمهور أو التحريض على فئة معينة.
ومن هنا يبرز السؤال: هل يستطيع المواطن التونسي أن يميز بين المعلومة الصادرة عن مصدرها الأصلي وبين الخرافة التي يعاد تدويرها حتى تبدو حقيقة؟
الإجابة ليست نعم أو لا بصورة مطلقة. فهناك متلقون يمتلكون أدوات التثبت والقدرة على مقارنة المصادر، وهناك آخرون قد تنطلي عليهم الأخبار الكاذبة، خاصة عندما تتوافق مع مخاوفهم أو قناعاتهم المسبقة. وحتى الأشخاص المتعلمون ليسوا محصنين تمامًا ضد التضليل، لأن طريقة تقديم المعلومة، وتكرارها، واللغة العاطفية المستخدمة فيها، كلها عوامل قد تؤثر في الحكم عليها.
وقد تنجح معلومة كاذبة في اكتساب المصداقية بمجرد أن ينشرها عدد كبير من الصفحات، ثم تتناقلها مجموعات مختلفة، قبل أن تتبناها بعض الحسابات التي تقدم نفسها باعتبارها مصادر إخبارية. وعندما تصل القصة إلى هذه المرحلة، قد يصعب على المتلقي معرفة من نشرها أولًا، وما إذا كان هناك مصدر أصلي، وهل تم التثبت من تفاصيلها أم لا.
لهذا فإن أزمة الإعلام الرقمي ليست فقط أزمة أخبار كاذبة، بل أزمة ثقة ومعايير. فحين تتراجع مكانة الصحافة المهنية، وتضعف قدرة المؤسسات على تقديم معلومات دقيقة وسريعة، تترك مساحة واسعة أمام الحسابات التي تملأ الفراغ بمحتوى غير موثوق. وفي المقابل، عندما تفقد المؤسسات الإعلامية مصداقيتها، قد يلجأ الجمهور إلى المنصات البديلة بحثًا عن روايات مختلفة. وهكذا تدخل العلاقة بين الإعلام والجمهور في دائرة متشابكة من الشك والتضليل وفقدان الثقة.
هل تتقدم الدول بإعلام كهذا؟
لا يمكن القول إن كل دولة تمتلك إعلامًا ترفيهيًا أو منصات اجتماعية نشطة هي دولة متخلفة، كما لا يمكن الادعاء بأن الإعلام الجاد وحده كافٍ لتحقيق التنمية. فالتقدم يرتبط بالتعليم والاقتصاد والبحث العلمي والمؤسسات والسياسات العامة وعوامل أخرى كثيرة.
لكن يمكن طرح سؤال أكثر دقة: هل تستطيع دولة أن تبني مجتمعًا يمتلك القدرة على الابتكار واتخاذ القرارات الواعية إذا كان المجال العام فيها مشبعًا بالمعلومات غير الموثوقة، وإذا كانت القضايا الأساسية لا تجد مساحة كافية للنقاش والتحليل؟
من الصعب تصور تنمية مستدامة من دون إعلام قادر على شرح السياسات العامة، ومناقشة الخيارات الاقتصادية، ومتابعة أداء المؤسسات، وتبسيط الاكتشافات العلمية والتطورات التكنولوجية، وتمكين المواطن من فهم حقوقه وواجباته. فالإعلام الجيد لا يصنع التنمية بمفرده، لكنه يساعد المجتمع على اكتشاف الأخطاء ومناقشة الحلول ومحاسبة المسؤولين.
وتقدم تجارب دول مثل فنلندا والنرويج مثالًا على أهمية الجمع بين الصحافة المهنية، وإمكانية الوصول إلى المعلومات، والتعليم الذي ينمي التفكير النقدي، مع اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية من بلد إلى آخر. ولا يعني ذلك أن هذه المجتمعات خالية من التضليل أو أن إعلامها لا يقدم محتوى ترفيهيًا، بل إن مواجهة المعلومات المضللة تتطلب منظومة متكاملة، لا مجرد مطالبة الصحفيين بتقديم محتوى أفضل.
أما تونس، فإن التحدي ليس في استيراد نموذج إعلامي جاهز، بل في بناء نموذج يستجيب لحاجات المجتمع، ويمنح القضايا الوطنية مساحة تستحقها، ويتيح الاختلاف في الرأي دون تحويله إلى عداوة، ويحمي حق المواطن في الحصول على معلومات دقيقة.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الإعلام التونسي قادرًا على الترفيه، بل ما إذا كان قادرًا على الترفيه من دون أن يتخلى عن مسؤوليته، وعلى جذب الجمهور من دون التضحية بالحقيقة، وعلى تحقيق الاستمرارية المالية من دون تحويل اهتمام الناس إلى سلعة تُباع وتُشترى.
التكنولوجيا تتقدم، لكن ماذا عن المضمون؟
نعيش اليوم مرحلة تتسارع فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتتطور أدوات تحليل البيانات وإنتاج الصور والفيديو، وتزداد قدرة الأفراد على الوصول إلى مصادر المعلومات في مختلف أنحاء العالم. وكان من المفترض أن تمنح هذه التحولات الإعلام فرصًا أوسع لإنتاج محتوى أكثر عمقًا ودقة وتنوعًا.
فبإمكان المؤسسات الإعلامية استخدام التكنولوجيا لتفسير البيانات الاقتصادية، وإنتاج تقارير تفاعلية، ومتابعة التغيرات المناخية، وتبسيط البحوث العلمية، وشرح التحولات في سوق العمل، وإتاحة النقاش أمام الخبراء والمختصين. كما يمكنها توظيف الأدوات الرقمية للتحقق من الصور والتسجيلات ومقارنة الروايات المتداولة.
لكن التكنولوجيا نفسها تتيح إنتاج صور مفبركة ومقاطع مصطنعة وأصوات مقلدة، وقد تجعل المحتوى المضلل أكثر إقناعًا وأسرع انتشارًا. ولذلك فإن تطور الأدوات لا يضمن تلقائيًا تطور الوعي. قد يمتلك الإنسان هاتفًا متطورًا واتصالًا سريعًا بالإنترنت، لكنه يظل عاجزًا عن التمييز بين الخبر والتحليل، أو بين المصدر الأصلي والصفحة التي تنقل عنه، أو بين الدليل والادعاء.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على المؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية. فبدل الاكتفاء باستهلاك التكنولوجيا وتوظيفها في إنتاج مزيد من المحتوى السريع، ينبغي استثمارها في رفع مستوى المعرفة العامة، وتقديم المعلومات بأساليب جذابة من دون الإخلال بدقتها، ومساعدة الجمهور على فهم القضايا المعقدة بلغة واضحة.
كما ينبغي ألا تتحول محاربة الأخبار الزائفة إلى ذريعة لإسكات الآراء المخالفة أو احتكار الحقيقة من طرف جهة واحدة. فالتصدي للتضليل يتطلب قواعد واضحة للتحقق، وشفافية في التصحيح، وحقًا في النقد، واستقلالية مهنية تحمي الصحفي من الضغوط السياسية والاقتصادية.
من المسؤول عن تحويل الإعلام إلى وسيلة للتفاهة؟
من السهل اتهام الصحفيين أو مقدمي البرامج أو مستخدمي فيسبوك وحدهم، لكن ذلك لا يفسر الظاهرة كاملة. فالمشهد الإعلامي تصنعه مجموعة من الأطراف تتفاعل مصالحها باستمرار: المؤسسات التي تختار ما تبثه، والمعلنون الذين يمولون المحتوى، والمنصات التي توزع المنشورات وفق أنظمتها، والضيوف الذين يبحثون عن الانتشار، والجمهور الذي يمنح بعض المواد اهتمامه ومشاركاته.
وهذا لا يعني أن المسؤولية متساوية بين الجميع. فالمؤسسة الإعلامية المحترفة تتحمل مسؤولية أكبر من المستخدم العادي عندما تنشر خبرًا من دون تحقق، لأنها تمتلك أدوات مهنية وموارد يفترض أن تساعدها على أداء دورها. كما أن المنصات الرقمية تتحمل مسؤولية في كيفية التعامل مع المحتوى المضلل، بينما يتحمل الجمهور جزءًا من المسؤولية عندما يعيد نشر الادعاءات من دون التثبت منها.
غير أن معالجة الظاهرة لا تكون بالتوبيخ أو الحنين إلى ماضٍ لم يكن خاليًا من الأخطاء. المطلوب هو إعادة الاعتبار إلى العمل الصحفي القائم على التثبت، وتطوير برامج تعالج قضايا المجتمع بعمق، وإعطاء الخبراء والباحثين مساحة حقيقية، وتعزيز التربية الإعلامية في المدارس والجامعات، وتوفير مصادر تمويل أكثر استدامة للمؤسسات المستقلة.
ويحتاج الإعلام التونسي أيضًا إلى استعادة التوازن بين الخبر العاجل والتحقيق المعمق، وبين الترفيه والمعرفة، وبين متابعة الشخصيات العامة ومناقشة السياسات التي تؤثر في حياة المواطنين. فليس مطلوبًا إلغاء البرامج الخفيفة أو منع الناس من متابعة ما يحبونه، بل المطلوب ألا تصبح هذه البرامج بديلًا عن كل ما يستحق المعرفة والنقاش.
كيف يستعيد المتلقي ثقته في المعلومة؟
لا يمكن مطالبة المواطن بأن يصدق كل ما يسمعه من وسائل الإعلام، كما لا يمكن دعوته إلى الشك في كل شيء حتى يفقد القدرة على معرفة الحقيقة. المطلوب هو بناء ثقة واعية تقوم على التثبت، لا على التسليم المطلق.
عندما يصل خبر مثير إلى المتلقي، ينبغي أن يسأل عن مصدره الأول، وأن يبحث عن تأكيد مستقل من مؤسسات أخرى موثوقة، وأن يميز بين ما تثبته الوثائق وما يقوله صاحب المنشور. وإذا كان الخبر يتضمن صورة أو فيديو، فمن المهم التأكد من تاريخ النشر وسياق التسجيل، لأن مادة حقيقية قد تستخدم لترويج رواية كاذبة عندما تُعرض خارج سياقها.
كما أن غياب التغطية في مؤسسة إعلامية واحدة لا يثبت وحده وجود مؤامرة أو تعمد لإخفاء الحقيقة، مثلما أن انتشار الخبر على صفحات عديدة لا يثبت صحته. وقد يكون من المفيد الرجوع إلى البيانات الرسمية والوثائق الأصلية، لكن البيانات الرسمية نفسها ليست معصومة من الخطأ، ولذلك يجب مقارنتها بالأدلة والمصادر المستقلة كلما أمكن.
والأهم أن يتعلم المتلقي التمييز بين الخبر والرأي والإعلان والمحتوى الساخر. فهذه الأنواع قد تظهر على المنصة نفسها وبالشكل البصري نفسه، رغم اختلاف طبيعتها وقواعد التعامل معها.
إن امتلاك هذه المهارات لا يعفي المؤسسات الإعلامية من مسؤولياتها، بل يمنح الجمهور قدرة أكبر على مساءلتها ومحاسبتها. فالإعلام المهني والجمهور الواعي ليسا طرفين متعارضين، بل يحتاج كل منهما إلى الآخر لبناء فضاء عام أكثر مصداقية.
خاتمة ، أزمة إعلام أم أزمة أولويات؟
إن المفارقة التي يواجهها الإعلام التونسي في سنة 2026 تتجاوز مسألة البرامج التافهة أو المحتوى المثير للجدل. إنها مفارقة مجتمع يمتلك وسائل اتصال متطورة، لكنه لا يستفيد دائمًا من إمكاناتها في توسيع المعرفة وتعميق النقاش العام. وهي أيضًا مفارقة إعلام يستطيع الوصول إلى الجمهور بسرعة، لكنه قد يفشل في إقناعه بجدوى المعلومة الدقيقة والتحليل الجاد.
ولا ينبغي أن يتحول هذا النقد إلى حكم شامل على كل المؤسسات والصحفيين، فهناك تجارب صحفية تونسية تواصل تقديم التحقيقات والحوارات والمحتويات الجادة رغم الصعوبات. لكن وجود هذه التجارب لا يلغي ضرورة مساءلة الاتجاه العام، ولا يمنع من التساؤل عن الأسباب التي تجعل المحتوى السطحي قادرًا أحيانًا على احتلال مساحة أوسع من المحتوى الذي يخدم المصلحة العامة.
إن الخطر الأكبر ليس أن يضحك المواطن أمام شاشة التلفاز، أو أن يتابع موضوعًا خفيفًا على فيسبوك، بل أن يصبح عاجزًا عن التمييز بين ما يستحق اهتمامه وما يُفرض عليه لاستنزاف انتباهه، وبين المعلومة التي تساعده على فهم الواقع والرواية التي تدفعه إلى الابتعاد عنه.
فالإعلام الذي يكتفي بإشغال الناس لا يساعدهم بالضرورة على فهم حياتهم، والإعلام الذي يجعل الإثارة غايته قد يربح المشاهدة لحظيًا، لكنه يخسر الثقة على المدى الطويل. أما الإعلام الذي يستحق أن يكون سلطة رقابية ومعرفية، فهو الذي يحترم عقل المواطن، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويبحث عن الأدلة، ويشرح ما يحدث بدل الاكتفاء بعرضه، ويمنح القضايا العامة ما تستحقه من وقت واهتمام.
وفي النهاية، لا يقاس تقدم الإعلام بعدد الشاشات ولا بسرعة البث ولا بحجم التفاعل على المنصات، بل بقدرته على جعل المواطن أكثر معرفة، والمجتمع أكثر وعيًا، والنقاش العام أكثر جدية. فالتكنولوجيا تمنحنا أدوات متطورة، لكن وحده المضمون المسؤول يحول هذه الأدوات إلى قيمة حقيقية. والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا أمام الإعلام التونسي ليس كيف نجذب مزيدًا من المشاهدين، بل: ماذا نقدم لهؤلاء المشاهدين، وماذا يبقى في عقولهم بعد أن تنطفئ الشاشة؟

مواضيع ذات صلة