الجريمة في تونس: حين يصبح البحث عن الأسباب أهم من الاكتفاء بالعقاب بقلم : محمد جمال الشرفي.
قبل الحديث عن الجريمة، علينا أن نبحث في أسبابها، وأن نتجاوز النظرة السطحية التي تختزل الظاهرة في الفعل الإجرامي وحده، لنطرح السؤال الأهم: ما الذي يدفع الإنسان إلى الجريمة؟ ولماذا أصبحت أخبار الاعتداءات والعنف والسرقة حاضرة باستمرار في الحياة اليومية للتونسيين، حتى بات الشعور بالخوف وانعدام الأمان يتسلل إلى تفاصيل حياتهم؟ إن مواجهة الجريمة لا تبدأ بعد وقوعها، ولا تنحصر في إيقاف مرتكبيها ومحاكمتهم، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال فهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي يمكن أن تدفع بعض الأفراد إلى الانحراف، والعمل على معالجتها قبل أن تتحول إلى أفعال تهدد الفرد والمجتمع.
إن تزايد الشعور بانتشار الجريمة في تونس يفرض علينا مراجعة واقعنا الاجتماعي، والتساؤل عن التحولات التي عرفها المجتمع خلال السنوات الأخيرة. فالأزمات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص التشغيل، واتساع دائرة الفقر، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عوامل تزيد من الضغوط التي تعيشها فئات واسعة من المواطنين. وإلى جانب ذلك، تتعمق مشاعر الإحباط لدى الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام مستقبل غامض، تتراجع فيه فرص تحقيق الاستقلال المادي والاجتماعي، بينما تتسع الفجوة بين تطلعاتهم والواقع الذي يعيشونه. ولا يعني ذلك أن الفقر يؤدي حتماً إلى الجريمة، أو أن الظروف الصعبة تبرر الاعتداء على الآخرين، وإنما يعني أن تجاهل هذه العوامل قد يجعلنا نعالج النتائج ونترك الأسباب تتفاقم.
إن أخطر ما يمكن أن نواجه به هذه الظاهرة هو التعامل معها باعتبارها مسؤولية أمنية فقط، وكأن تعزيز الرقابة وتكثيف الدوريات وإيقاف المخالفين كفيل بإنهاء المشكلة. لا شك أن المؤسسة الأمنية تؤدي دوراً أساسياً في حماية المواطنين وتطبيق القانون، وأن محاسبة مرتكبي الجرائم ضرورة لا يمكن التهاون فيها، لكن الأمن وحده لا يستطيع معالجة أزمة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وتربوية وثقافية. فكيف يمكن أن نطالب بالحد من الجريمة من دون أن نسأل عن دور المدرسة والأسرة والمؤسسات الثقافية والاجتماعية في الوقاية منها؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن حماية الشباب من الانحراف، في الوقت الذي يعاني فيه جزء منهم من التهميش والإقصاء وغياب فضاءات التأطير والمشاركة والإبداع؟
إن تهميش الشباب ليس مجرد نقص في فرص التشغيل، بل هو أيضاً شعور متراكم بأن الفرد غير مسموع، وأن وجوده لا يمثل قيمة حقيقية في محيطه، وأن المجتمع لا يمنحه الفرصة ليكون فاعلاً في بناء مستقبله. فعندما يغيب الأمل، وتضعف الثقة في المؤسسات، وتتقلص المساحات التي يستطيع فيها الشاب التعبير عن نفسه وإثبات قدراته، يصبح أكثر عرضة للإحباط والعزلة والتأثر بالبيئات المنحرفة، وإن لم يكن ذلك مصيراً حتمياً له. ومن هنا، فإن العلاقة بين التهميش والجريمة تستحق دراسة جدية، بعيداً عن التعميم والأحكام المسبقة، لأن حماية الشباب لا تتحقق باتهامهم جماعياً، بل بمنحهم فرصاً حقيقية للاندماج والمشاركة وتحمل المسؤولية.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم بكل وضوح هو: ماذا أعددنا فعلياً للتصدي لهذه الظاهرة قبل أن تتفاقم؟ هل نملك استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على الوقاية والتشخيص والتدخل المبكر، أم أننا لا نتحرك إلا عندما تقع الجريمة وتتصدر عناوين الأخبار؟ أين الدراسات الميدانية التي تحدد أسباب العنف والانحراف في مختلف المناطق والفئات العمرية؟ وأين البرامج التي تستهدف الأحياء التي تعاني من الهشاشة الاجتماعية، وتوفر للشباب فرص التكوين والتشغيل والأنشطة الرياضية والثقافية؟ إن غياب التنسيق بين المؤسسات، وضعف المتابعة الاجتماعية والتربوية، وعدم استمرارية بعض البرامج الوقائية، كلها مسائل تستوجب التقييم والمراجعة، لأن السياسات الناجعة لا تُقاس بما تعلنه من أهداف، بل بما تحققه من نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
إن وضع استراتيجية للتصدي للجريمة يجب أن يسبق محاربتها بالمفهوم الأمني الضيق. والمقصود هنا ليس انتظار وقوع الجرائم أو التساهل مع مرتكبيها، وإنما بناء منظومة وقائية تجعل الجريمة أقل احتمالاً، وتسمح بالتدخل قبل أن تتحول المشكلات الفردية والاجتماعية إلى اعتداءات وأفعال إجرامية. ويتطلب ذلك سياسة اجتماعية أكثر قرباً من المواطنين، ومؤسسات تربوية قادرة على اكتشاف الصعوبات التي يواجهها التلاميذ مبكراً، وبرامج دعم نفسي واجتماعي متاحة لمن يحتاج إليها، إلى جانب توسيع فرص التكوين المهني والتشغيل وتعزيز دور الجمعيات ودور الشباب والمرافق الثقافية والرياضية. كما يستوجب الأمر معالجة الإدمان والعنف الأسري والتسرب المدرسي، وتطوير آليات الإحاطة بالأطفال والمراهقين المهددين بالإقصاء، حتى لا يجدوا أنفسهم خارج منظومة الحماية والتأطير.
أما الاكتفاء بالمقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورية، فقد يؤدي إلى نتائج محدودة إذا لم ترافقه سياسة وقائية واجتماعية واضحة. فالملاحقة الأمنية يمكن أن توقف الجريمة وتحمي الضحايا وتمنع تكرار بعض الاعتداءات، لكنها لا تستطيع بمفردها خلق فرص العمل أو استعادة الثقة أو معالجة التفكك الأسري أو إعادة إدماج المنحرفين في المجتمع. ولذلك، فإن المجابهة الأمنية ليست حلاً شاملاً، بل هي جزء من حل أوسع ينبغي أن تتكامل فيه مسؤوليات الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة ومختلف المؤسسات المعنية. فالدولة التي تريد مجتمعاً آمناً لا يكفيها أن تكون حاضرة عند وقوع الجريمة، بل عليها أن تكون حاضرة أيضاً في حياة المواطن قبل أن يصل إلى لحظة الانحراف.
ويبرز هنا دور السجن، الذي يُفترض أن يكون مؤسسة لتطبيق القانون وتحقيق الردع وإعادة التأهيل، لا مجرد فضاء للعقاب والعزل. فالسجن ضرورة قانونية في حالات تستوجب الحرمان من الحرية حمايةً للمجتمع ومحاسبةً للجاني، لكن فعاليته لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين يدخلونه، بل بقدرته على الحد من العودة إلى الجريمة. فإذا وجد المحكوم عليه نفسه داخل بيئة تضعف فيها فرص التعلم والتكوين والإصلاح، وإذا خرج من السجن ليواجه الوصم الاجتماعي والبطالة والإقصاء وانعدام فرص الاندماج، فقد يجد نفسه أمام الظروف ذاتها التي ساهمت في انحرافه، بل أمام ظروف أشد صعوبة. وعندها يمكن أن يتحول السجن، بدل أن يكون محطة للمراجعة والإصلاح، إلى بيئة يتعلم فيها السجين أساليب إجرامية جديدة، وتتكون فيها علاقات وشبكات تزيد من مخاطر العودة إلى الجريمة.
ومن هنا، فإن إصلاح المنظومة السجنية يجب أن يكون جزءاً من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الجريمة، من خلال ضمان برامج التعليم والتكوين المهني والإحاطة النفسية والاجتماعية، والعمل على إعداد السجين للعودة إلى الحياة الطبيعية، وتوفير آليات تساعده على الاندماج بعد الإفراج عنه. فالمجتمع الذي يغلق جميع الأبواب أمام الإنسان بعد انتهاء عقوبته قد يدفعه، من حيث لا يريد، إلى العودة إلى الطريق الذي يحاول الابتعاد عنه. ولا يعني ذلك إعفاء المجرم من مسؤوليته أو التقليل من معاناة الضحايا، بل يعني الجمع بين العدالة والإصلاح، وبين حماية المجتمع ومنع تكرار الاعتداءات.
إن الوقاية من الجريمة تتطلب أيضاً تغيير نظرتنا إلى مفهوم الأمن. فالأمن ليس مجرد غياب الاعتداءات في الشوارع، بل هو شعور المواطن بأنه يعيش في مجتمع يحمي حقوقه، ويوفر لأبنائه فرصاً عادلة، ويمنح شبابه القدرة على بناء مستقبلهم. والأمن الحقيقي لا يتحقق بالخوف وحده، بل بالثقة في المؤسسات، وباحترام القانون، وبوجود عدالة يشعر المواطن بأنها قريبة منه، وبسياسات تقلص أسباب الإقصاء وتحد من تفاقم الأزمات الاجتماعية. وكلما اتسعت الهوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وضعفت ثقته في قدرته على تحسين واقعه بالطرق المشروعة، ازدادت الحاجة إلى مراجعة السياسات العامة وتعزيز آليات المشاركة والإنصاف.
إن أخطر ما في الجريمة ليس الفعل المرتكب وحده، بل أن نصل إلى مرحلة نتعامل فيها مع نتائجها وكأنها قدر لا يمكن تغييره. فحين يقع الاعتداء، نطالب بالعقاب، وحين تتكرر الجرائم، نطالب بمزيد من الردع، لكننا نادراً ما نمنح السؤال عن الأسباب المكانة التي يستحقها. والحال أن مواجهة الظاهرة تتطلب شجاعة الاعتراف بالنقائص، وتقييم السياسات السابقة، والتمييز بين المسؤولية الفردية عن الجريمة والمسؤولية الجماعية عن معالجة الظروف التي تسمح بتفاقمها. فليس كل مهمش مجرماً، وليس كل من يعيش الفقر منحرفاً، لكن من واجب الدولة أن تمنع تحول الحرمان والإقصاء واليأس إلى عوامل تغذي العنف والانحراف.
إن تونس اليوم في حاجة إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل الاستباقي، ومن الاكتفاء بمعالجة الجريمة بعد وقوعها إلى بناء منظومة متكاملة تمنع أسبابها وتحد من مخاطرها. منظومة تجعل المدرسة فضاءً للاحتواء لا للإقصاء، وتعيد للمؤسسات الثقافية والرياضية دورها في تأطير الشباب، وتوفر فرصاً حقيقية للتكوين والتشغيل، وتدعم الأسرة في مواجهة الصعوبات، وتطور العمل الاجتماعي في الأحياء التي تعاني من الهشاشة، وتضمن أن يكون السجن فضاءً للإصلاح وإعادة الإدماج إلى جانب دوره العقابي. كما تحتاج إلى تعاون فعلي بين الأمن والقضاء والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية والمجتمع المدني، ضمن أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للتقييم والمراجعة.
وفي النهاية، لا يمكن بناء مجتمع آمن بمجرد رفع العقوبات أو تكثيف الحملات الأمنية، كما لا يمكن تحقيق العدالة بتجاهل حقوق الضحايا أو تبرير الجريمة بالظروف الاجتماعية. المطلوب هو الجمع بين الحزم في تطبيق القانون والجدية في معالجة الأسباب، وبين محاسبة الجاني ومنع تكرار الجريمة، وبين حماية المجتمع وإعادة تأهيل من يمكن إعادة إدماجهم. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نعاقب من ارتكب الجريمة؟ بل أيضاً: كيف نمنع الجريمة التالية، وكيف نحمي شاباً من الانحراف قبل أن يصبح متهماً، وكيف نمنح المجتمع القدرة على معالجة أزماته قبل أن تتحول إلى مآسٍ جديدة؟ إن محاربة الجريمة تبدأ قبل وقوعها، حين نمنح الوقاية مكانتها، ونعالج التهميش بجدية، ونجعل العدالة والإصلاح والأمن الاجتماعي ركائز متكاملة لدولة تحمي مواطنيها، لا بعد وقوع الجريمة فحسب، بل قبل أن تصبح واقعاً يدفع الجميع ثمنه.




