المدرسة التونسية بين إرهاق التلميذ وفشل المنظومة التربوية….بقلم : محمد جمال الشرفي.
لم تعد المدرسة التونسية قادرة على مواكبة التحولات التربوية ومتطلبات العصر، بل أصبحت، في نظر كثيرين، فضاءً يرهق التلميذ بكثافة البرامج وتعدد الامتحانات، دون أن يمنحه الوقت الكافي للفهم والتفكير واكتساب المهارات. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بصعوبة المواد وحدها، بل بفلسفة تعليمية ما زالت تعتمد على التلقين والحفظ وتكديس المعلومات، بدل بناء شخصية متوازنة قادرة على التفكير النقدي والتعلم المستقل.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلل تقادم الكتب والبرامج المدرسية، إذ يشير المصدر إلى استمرار العمل بكتب تعود إلى سنة 2002، أي منذ أكثر من عقدين، رغم التغيرات العلمية والتكنولوجية والمعرفية التي شهدها العالم. فكيف يمكن لمدرسة تطمح إلى إعداد أجيال المستقبل أن تعتمد محتويات لم تعد تواكب واقعهم؟ والأكثر إثارة للتساؤل هو غياب إصلاح جذري ومستقر، رغم تعاقب وزراء التربية وتعدد الوعود والمبادرات.
ولا يتوقف الأمر عند البرامج، فالتلميذ التونسي يجد نفسه محاصراً بجدول دراسي مكثف وامتحانات متكررة قد تصل، وفق ما ورد في المصدر، إلى نحو خمسين اختباراً في الثلاثي الواحد. وهكذا يتحول جزء كبير من السنة الدراسية إلى سباق متواصل بين الفروض والاختبارات، على حساب التعلم الحقيقي والأنشطة التي تنمي شخصية الطفل ومواهبه. فالمدرسة التي يفترض أن تكون فضاءً للاكتشاف أصبحت، في كثير من الأحيان، مصدراً للضغط والإرهاق.
الأخطر من ذلك أن هذا النظام يساهم في تكوين عقلية قائمة على الاستظهار والاستجابة الآلية، لا على التحليل والابتكار. فالتلميذ يتعلم كيف يحفظ المعلومة ويعيد إنتاجها في ورقة الامتحان، لكنه لا يتعلم بالضرورة كيف يوظفها في حياته اليومية أو يربطها بالواقع. وهذا ما يمكن وصفه بـ«تعليم الروبوتات»، حيث يصبح النجاح مرتبطاً بمدى القدرة على تكرار ما قُدّم داخل القسم، لا بمدى امتلاك أدوات التفكير والفهم.
إن إصلاح المدرسة التونسية لا يكون بمجرد تغيير الكتب أو تعديل رزنامة الامتحانات، بل بمراجعة الفلسفة التي تقوم عليها المنظومة برمتها. المطلوب هو الانتقال من تعليم يكدّس المعلومات إلى تعليم يصنع المعرفة، ومن تقييم يطارد التلميذ باستمرار إلى تقييم يقيس تطوره الحقيقي، ومن مدرسة تفرض عليه ما يفكر فيه إلى مدرسة تعلمه كيف يفكر.
فالرهان الحقيقي ليس تخريج تلاميذ يحفظون أكثر، بل إعداد جيل يفهم ويتساءل ويناقش ويبتكر، ويستطيع ربط ما يتعلمه بمشكلات مجتمعه وتحديات عصره. لأن المدرسة التي لا تعلم أبناءها التفكير، ولا تمنحهم القدرة على التعلم الذاتي، لا تكتفي بالتأخر عن المستقبل، بل تحرمهم من الأدوات الضرورية لصناعته.
المشكلة في النهاية ليست أن التلميذ التونسي لا يبذل ما يكفي من الجهد، بل أن المنظومة تطلب منه جهداً هائلاً في سبيل تعلم لا يستثمر دائماً قدراته الحقيقية.




