المرأة حكايات تُكتب وتُعاش…دلال غزيل… ابنة القلم التي صقل والدها موهبتها

المرأة حكايات تُكتب وتُعاش…دلال غزيل… ابنة القلم التي صقل والدها موهبتها

15 أوت 2026، 14:30

من الصحافة إلى الأدب، ومن التكوين العلمي إلى الفعل الثقافي

في المدرسة النموذجية ودار الثقافة السليمانية بتونس العاصمة، كان اللقاء الثقافي الذي نظمته جمعية نساء تونس الحديثة بمناسبة عيد المرأة موعداً مع الكلمة والفكر والتجربة الإنسانية. غير أن مداخلة الكاتبة والمدرّبة دلال غزيل، التي حملت عنوان «المرأة حكايات تُكتب وتُعاش: القلم، الأمومة والصداقة»، تركت لدى الحاضرين أثراً خاصاً، لأنها لم تقدم المرأة كعنوان احتفالي عابر، بل باعتبارها مشروع حياة وحكاية متواصلة، تتقاطع فيها المعرفة والإبداع والعائلة والصداقة والأمومة.

وقد بدت دلال غزيل، وهي تتحدث عن القلم، وكأنها تتحدث أيضاً عن مسيرتها الخاصة؛ عن امرأة اختارت أن تجعل من الكلمة رفيقاً دائماً، وأن تنتقل من التكوين الجامعي والعلمي البحت إلى عالم الأدب والثقافة والتدريب، دون أن تتخلى عن فضولها المعرفي أو عن رغبتها في التجدد.

لكن خلف هذه التجربة قصة أخرى تستحق أن تُروى.

إنها قصة الأب الذي رأى في ابنته موهبة قبل أن يراها الآخرون.

مختار غزيل… الأب الذي قرأ موهبة ابنته مبكراً

يصعب الحديث عن البدايات الأدبية لدلال غزيل دون التوقف عند والدها، الصحفي اللامع المرحوم مختار غزيل، الذي كان له دور أساسي في اكتشاف موهبتها الأدبية وصقلها منذ طفولتها.

وهنا تأخذ كلمة «الأب» في هذه الحكاية معنى يتجاوز الأبوة البيولوجية إلى الأبوة الثقافية والتربوية.

فمختار غزيل لم يكن بالنسبة إلى ابنته مجرد أب يراقب نموها، وإنما كان، كما تتذكر تجربتها، أول من انتبه إلى علاقتها المبكرة بالكلمة والأدب، وأول من فتح أمامها أبواب القراءة واللغة والتعبير.

لقد أدرك، بحس الصحفي والمثقف، أن الموهبة الصغيرة تحتاج إلى عين تكتشفها، وإلى يد ترافقها، وإلى بيئة تمنحها الثقة كي تكبر.

ومن هنا، فإن نجاح دلال غزيل اليوم لا يمكن قراءته فقط من زاوية الجوائز والكتابة والتدريب والحضور الثقافي، بل يمكن أيضاً أن نراه ثمرة بذرة أدبية غُرست مبكراً، ووجدت في الأب المثقف من يرعاها ويؤمن بها.

مختار غزيل… الصحفي الذي جعل من الكلمة حياة

كان مختار غزيل ينتمي إلى جيل كان يرى في الصحافة أكثر من مهنة.

فالصحافة بالنسبة إلى ذلك الجيل كانت مدرسة في اللغة، وفي متابعة الشأن العام، وفي الإنصات إلى الناس، وفي اكتشاف التفاصيل التي قد تبدو صغيرة لكنها تحمل حكايات كبيرة.

ومن هذا العالم الصحفي والثقافي خرجت دلال غزيل وهي تحمل حساسية خاصة تجاه الكلمة.

كان والدها، الصحفي اللامع، يعيش في فضاء تحضر فيه الصحيفة والكتاب والخبر والحوار واللغة. وفي مثل هذا المناخ، لا غرابة أن تجد طفلة نفسها مأخوذة بالكلمة، وأن تتحول القراءة والكتابة تدريجياً من فضول طفولي إلى شغف، ثم إلى مشروع.

وهنا تتجلى قيمة الأب في تكوين ابنته.

فالأب المثقف لا يورث أبناءه الكتب فقط، بل يورثهم طريقة في النظر إلى الحياة.

يعلمهم أن يسألوا، وأن يقرأوا، وأن يصغوا، وأن يختلفوا، وأن يبحثوا عن المعنى خلف الكلمات.

وهو ما يجعل مختار غزيل حاضراً في تجربة ابنته حتى بعد رحيله؛ فبعض الآباء يغيبون عن الحياة، لكنهم يواصلون الحضور في اللغة التي علموها لأبنائهم، وفي الكتب التي فتحوها أمامهم، وفي الثقة التي زرعوها في نفوسهم.

أب يكتشف موهبة ابنته… ونموذج يستحق التوقف عنده

في زمن كثيراً ما يُسلّط فيه الضوء على دور الأم في تكوين الأبناء، تبدو قصة دلال غزيل ووالدها مناسبة لتذكيرنا بدور الأب في اكتشاف الموهبة النسائية تحديداً.

كم من فتاة تمتلك موهبة في الأدب أو الفن أو العلوم، لكنها تحتاج فقط إلى أب يقول لها:

«أنت قادرة… تابعي.»

كم من موهبة ذبلت لأنها لم تجد من يصدقها؟

وكم من فتاة تغير مسار حياتها لأن والدها لم يسخر من حلمها، ولم يعتبر الكتابة مضيعة للوقت، ولم ير في طموح ابنته خروجاً عن المألوف؟

في قصة دلال غزيل، يبدو الأب جزءاً من الإجابة.

لقد كان مختار غزيل، بما امتلكه من رصيد صحفي وثقافي، نافذة مبكرة أطلت منها ابنته على عالم الأدب والكلمة.

ومن هنا تصبح تجربته جديرة بالتثمين لا بوصفه والد كاتبة فحسب، وإنما بوصفه نموذجاً للأب الذي أدرك أن مهمته لا تنتهي عند توفير الرعاية، بل تشمل أيضاً اكتشاف الموهبة وتوجيهها وتشجيعها.

دلال غزيل… حين تتجاوز الابنة ظل الأب

واللافت في مسيرة دلال غزيل أنها لم تكتف بأن تكون «ابنة الصحفي مختار غزيل».

لقد صنعت حضورها الخاص.

فبعد البدايات التي كان للأب دور مهم فيها، شقت طريقها بنفسها، وراكمت تجربتها في الكتابة والتدريب والنشاط الثقافي، وحصلت على جوائز وتكريمات وطنية ودولية، وواصلت الكتابة بأربع لغات، وأثبتت أن الدعم الأول لا يلغي الجهد الشخصي، وأن البذرة مهما كانت جيدة تحتاج إلى سنوات من العمل كي تتحول إلى شجرة.

وهنا تكمن أجمل دلالة في قصتها:

الأب يفتح الباب، لكن الابنة هي التي تختار الطريق وتمشي فيه.

مختار غزيل ساهم في صقل الموهبة، لكن دلال غزيل هي التي واصلت البناء، والبحث، والتعلم، والكتابة، والتدريب، والحضور.

من التكوين العلمي إلى الأدب

ولعل ما يزيد تجربة دلال غزيل خصوصية أن مسارها الجامعي ينتمي إلى التكوين العلمي، وليس إلى الدراسة الأدبية التقليدية.

ومع ذلك، استطاعت أن تجمع بين العقل العلمي وروح الكاتبة.

بين التحليل والخيال.

بين المعرفة والإبداع.

بين الدقة التي يمنحها التكوين العلمي والمرونة التي تحتاجها الكتابة.

وهذا التداخل بين المجالات هو أحد مصادر ثراء تجربتها، لأنها لم تحصر نفسها في تخصص واحد، بل ظلت مفتوحة على المعرفة والثقافة والتجريب.

أربع لغات… وأفق يتسع

وتكتب دلال غزيل بأربع لغات، وهو رصيد ثقافي ولغوي مهم، يتيح لها أن تتحرك بين عوالم متعددة، وأن تتعامل مع اللغة باعتبارها جسراً لا جداراً.

فاللغة الجديدة لا تمنح الكاتب مفردات إضافية فحسب، بل تمنحه أحياناً طريقة أخرى لرؤية الإنسان.
ومن هنا فإن تعدد اللغات في تجربتها ينسجم مع طبيعتها المنفتحة، ومع حضورها في فضاءات
حكاية أب وابنة.

أب اسمه مختار غزيل، صحفي لامع، حمل معه شغف الكلمة، وترك في ابنته أثراً لم يمحه الزمن.

ربما رحل الأب، لكن شيئاً منه بقي.

بقي في حبها للكلمة.

في علاقتها بالأدب.

في قدرتها على الإصغاء.

في إصرارها على مواصلة الطريق.

وفي كل مرة تمسك فيها دلال غزيل قلمها، يمكن أن نتخيل أن جزءاً من ذلك الأب المثقف يعود إلى الحياة من خلال ابنته.

وهنا تصبح قصة دلال غزيل أكثر من قصة نجاح فردي.

إنها رسالة إلى كل أب وأم:

لا تستهينوا بموهبة أبنائكم.

لا تؤجلوا التشجيع.

لا تقولوا للطفل إن حلمه صغير.

فربما يكون ذلك الحلم هو الطريق الذي سيصنع مستقبله.

لقد صقل مختار غزيل موهبة ابنته في بداياتها، ثم ترك لها مساحة أن تصبح نفسها.

فكانت النتيجة امرأة تكتب، وتبدع، وتدرّب، وتحاضر، وتكرّم، وتواصل الحضور… ولا تهدأ.

وهكذا، في الندوة التي حملت عنوان المرأة والحكاية، لم تكن دلال غزيل تروي حكايات النساء فقط، بل كانت، من حيث لا تدري، تروي أيضاً حكاية أبيها.

حكاية أب آمن بموهبة ابنته، فكبرت الموهبة… وكبرت معها الحكاية.

ومن أجمل ما يمكن أن نختم به:

قد يغيب الأب عن المشهد، لكن أثره يظل حاضراً في نجاح ابنته؛
فبعض الآباء لا يكتبون الكتب، لكنهم يكتبون في أبنائهم أجمل الصفحات.

مواضيع ذات صلة